والأصحُّ من الوجهين والله أعلم هو الثاني، فليس المراد أنَّ كل إمامٍ في الكفر يُقتل بل من أئمَّة الكفر من يُعاهد ويصحُّ عهده ما استقام عليه، كما هو شأن مشركي قريشٍ وقت نزول الآية، وكما هو شأن اليهود وغيرهم، وفي سياق الآيات ما يدل عليه ويأتي بيانه في تفسير الآيات بإذن الله، فلا يكون الحكم متعلّقًا بالإمامة في الكفر نفسِها، بل بما تقدَّمها من الطعن في الدين ونقض العهود، فهم أئمَّة الكفر سواء نكثوا العهود وطعنوا في الدين أم لا، لا أنَّهم لمَّا فعلوا هذين الأمرين كانوا أئمَّة الكفر.
ولذا سمَّى الفاروق أسرى بدر من المشركين أئمَّة الكفر وهو يُحاجُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتلِهم ثمَّ منَّ على بعضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ الفدية من بعضهم كما عند مسلمٍ في الصحيح، ولم يكن جميع هؤلاء ممن لا يجوز عقد الأمان له ويجب قتله أو قتاله، بل منهم من أسلم ومنهم من كان يُخفي الإسلام من قبل كالعباس بن عبد المطلب وسهل بن بيضاء وجماعةٍ من المستضعفين، والمستضعفون من المؤمنين من ارتكب منهم الكفر فليست درجته درجة الإمام في الكفر فإنَّ الإمام ليس من يفعل الشيء وهو مستضعف خائف شبيهُ المُكره عليه، بل هو من يقود الناس إلى الشيء ويأمرهم به، ومن لم يرتكب الكفر من المستضعفين أو كان له عذرٌ من الأعذار، فهو أبعدُ عن الإمامة في الكفر سواء كان ممن حُكم عليه بالكفر ظاهرًا كالعبَّاس أو كان ممن يُحكم لهم بالإسلام.
ومما يدل على هذا تسمية الصديقِ الشمامسةَ من النصارى أئمَّةَ الكفر - فيما رُوي عنه- وذلك بعد نزول هذه الآيات ولم يكن قتلهم واجبًا لا خيرة فيه، بل كانوا مع أقوامهم؛ فمن صولحوا على الجزية كان شمامستهم مثلهم، ومن قُوتلوا قوتلوا معهم، ومن طلب الأمان فأُعطيَهُ لم يُنظر هل هو منهم أم لا؟