وقيل لحُذيفة بن اليمان رضي الله عنه:"أكَفَرت بنو إسرائيل في يومٍ واحدٍ؟ قال: لا، ولكن كانت تُعرض عليهم الفِتنةُ فيأتونَها فيُكرهون عليها، ثمَّ تُعرض عليهم فيَأتونها حتَّى ضُربوا عليها بالسِّياط والسُّيوف، حتَّى خاضوا الماء، حتَّى لم يعرفوا معروفًا ولم يُنكروا مُنكَرًا"، وفي إسناده إرسالٌ.
والفتنة عن دين الله بالإكراه تكون بالقتل وبما دونه، وأعظمهما الفتنة بما دون السيف، كما قال حُذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وحسبُك به بصيرًا بالفتن، فأخرج ابن أبي شيبة بإسنادٍ على شرط الشيخين عن حذيفة أنَّه قال: لفتنةُ السَّوطِ أشدُّ من فتنةِ السَّيفِ! قالوا: وكيف ذاك؟ قال: إنَّ الرجل ليُضرب بالسَّوطِ حتَّى يركب الخَشَبة، قلت: ما أدري ما معنى قوله حتَّى يركب الخشبة وربما كان تصحيفًا، ولكنَّ المراد - والله أعلم - أنَّ الرجل يُضرب بالسوط حتَّى ينزل عن دينه، أمَّا السيف فما هو إلاَّ ضربة العنق ثمَّ يسلم من الفتنة بخروجه من الدنيا، وقد يكون المراد بالخشبة النعشُ فيفسَّر بأنَّ الرجل يُضرب بالسوط حتَّى الموتِ فهي فتنةٌ مستمرَّةٌ تصحبه حياتَه، بخلاف فتنة السيف فإنَّها تعجِّل به، وهذا الوجه بعيدٌ لكن لم أهتدِ لغيره.
وهذا هو معنى حديث سعيد بن زيد عند النسائي قال: كنَّا عند النبي صلى الله عليه وسلم فذكر فتنةً فعظَّمَ أمرها، فقلنا يا رسول الله، لئن أدركتنا هذه لتُهلِكنَّا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كلاَّ؛ إنَّ بحسبكم القتل"، فجعل القتل أهون هذه الفتنة.