ودلالة قوله تعالى: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) تشبه ما قيل في هذه المسألة، فيُقال لولا تأثير نكث العهد والطعن في الدين في الحكم لما قُرن أحدهما بالآخر في هذا السياق ويمتنع أن يُذكر ويكون حشوًا لا معنى له.
ولكن يُشكل على هذا في هذا الموضع أنَّ التحريم في هذين الأمرين والذمَّ عليهما غير منازع فيه، ولكنَّ المسألة في الحكم المرتّب هل يثبت بأحدهما دون الآخر أم لا بدَّ من اجتماعهما، وقد يُقال في الآية السابقة لا يمتنع - من جهة التركيب- أن يكون الذمُّ على كل من مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين الوعيد المعيَّن المذكور في الآية لا يكون إلاَّ باجتماعهما معًا، فلا يكون ذكر الواحد منهما حشوًا بل هو جزء من العلة، وهكذا في الطعن في الدين ونكث العهد، فإنَّ الذمَّ فيهما ثابت ولكن ظاهر السياق أنَّ كلاًّ منهما جزء العلة المؤثرة في الحكم، وأنَّ العلة مركَّبة من الأمرين معًا.
وللمتكلمين على هذه الآية مذاهب ثلاثة في أي الأمرين هو علة الحكم:
فذهب أبو حنيفة إلى أنَّ وجوب قتالهم لا يكون إلاَّ بنقض العهد، ولم ير الطعن في الدين نقضًا للعهد، فحكم في الذمِّي يطعن في الدين بالتعزير فحسب، دون أن ينتقض عهده بذلك لأنَّ الآية علَّقت إباحة قتله بأمرين: نقضه للعهد، وطعنه في الدين فإن طعن في الدين دون نقض لم يُبح دمه، ويلزمه إذا جعل الحكم معلقًا بشرطين أنَّ من نقض العهد دون طعن في الدين لم يُبح دمه أيضًا ولا قائل به.
وذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّ الطعن في الدين نوعٌ من نقض العهد وليس مختلفًا عنه، فهو من عطف الجزء على الكلِّ، وفي الآية بيان أنَّ كلا الأمرين يوجب نقض العهد لأمره بقتالهم في الآية ونفي الأَيمانِ عنهم.