الصفحة 38 من 79

وقد أكثر المتكلِّمون والمفسرون والأصوليُّون فيما جاء من الأحكام مشروطًا بأمرين معطوفٍ أحدهما على الآخر أيكون كلٌّ منهما علَّةً مفردةً، أم تكون العلَّة مركبةً منهما، أم لا يكون أحدهما علَّة، وقد استدلَّ الشافعي رحمه الله على حُجيَّة الإجماع بقول الله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) ، واعترض عليها النظَّام باعتراضه المشهور من هذا الباب، وهو قوله إنَّ الآية لا تدل على إثم من خالف الإجماع فحسب بل لا بد أن يجتمع مع ذلك مشاقة الرسول كما هو مقتضى العطف، وأجاب عنه الأصوليون بأجوبة مختلفة كثير منها حام حول معنىً واحد وإن اختلفت العبارات، وحاصل الأجوبة المذكورة على اعتراضه جوابان:

الأوَّل: أنَّ اتباع غير سبيل المؤمنين ومشاقَّة الرسول أمران متلازمان، فكلُّ من خالف الإجماع واتبع غير سبيل المؤمنين فقد شاقَّ الرسول، والوعيد المترتِّب عليهما يحصل بمجرَّد مخالفة الإجماع لأنَّها متضمِّنة مشاقَّة الرسول، وهذا الجواب بيِّن الضعف فإنَّه استدلال بموضع النزاع، إذ المُعترض لا يرى في مخالفة الإجماع مشاقَّة للرسول وإلاَّ لقال بتحريمه بغير هذه الآية ولو ثبت عنده أنَّ مخالفة الإجماع مشاقَّة للرسول كان منازعًا في الدليل المعيَّن غير منازع في الحكم.

الثاني: أنَّ من الممتنع أن يُذكر في الوعيد ما ليس بمحذورٍ أصلًا، بل لا يُعطف على المحرَّم المعلوم الحرمة إلاَّ وهو مثله في التحريم، ولا يتصور أن يُذكر في هذا السياق دون أن يكون له تأثير في الحكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت