الصفحة 37 من 79

وعليه فلعلَّ في كلِّ معانيها ليست متعلَّقةً بما يكون في نفس الأمر، وإنَّما هي متعلَّقةٌ بالفعل الذي قبلها واقتضائه ما بعدها إمَّا حقيقةً، وإمَّا في توهُّم الفاعل، وعلى هذا يُحمل قوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ .. ) الآية، فالأظهر فيه أنَّ خوفه صلى الله عليه وسلم لتلك المقالة يقتضي أن يترك شيئًا يسيرًا من عيب آلهتهم كما ذكر بعض المفسرين، ولكنَّ الله ثبَّته ولولا تثبيته لكان منه ذلك كما قال تعالى في آية أخرى: (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) ، ومثله قوله تعالى: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) ، فإنَّ فيها الإخبار أنَّ عدم الإيمان منهم مع الحرص الشديد منه صلى الله عليه وسلم يقتضي أن يقتل الرجل نفسه غمًّا ولكنَّ الله يُثبِّت نبيَّه ويرزقه الصبر.

وأمَّا معنى الترجِّي والإشفاق في لعلَّ فإنَّما هو فرعٌ على المعنى الأصلِ فإنَّ من يفعل ما يقتضي مطلوبًا لديه، إمَّا أن يكون جازمًا بحصول ذلك المطلوب، وإمَّا أن يكون شاكًّا في ذلك فالشاكُّ في حصول الخير المطلوب راجٍ، والشاكُّ في حصول الشرِّ المرهوب خائفٌ.

فالأظهر والله أعلم أنَّ المراد بالآية فقاتلوا أئمة الكفر إنَّ ذلك سببُ انتهائهم عن كفرهم أو عن عدوانهم، فلا يكون على التعليل بل على جهة الإخبارِ منه عن المشركين وحالهم وأنَّ القتال سبب لانتهائهم عن ذلك الكفر والعُدوان، إمَّا باختيارهم وإمَّا بقهر المؤمنين وتغلُّبهم على الكافرين.

وأمَّا الإمامة في الكفر فقد تقدَّم الحديث عنها، وبيان أنَّها ليست علَّةً للحُكم، فلم يبقَ من الأوصاف المذكورة إلاَّ وصفان هما الطعن في الدين ونكث الأيمانِ، وقد جاء الوصفان مقرونَين وعُلِّق الحكم عليهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت