فذكر مولى الولادة وهو ابن العمِّ، ومولى المعاهدة والحلف وسمَّاه مولى اليمين، فاستعمل اليمين بمعنى العهد، وهو معنى مستعملٌ في القرآن كما في هذه الآية، وكما في قوله عزَّ وجلَّ: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) ، أخرج البخاري في صحيحه تفسيرها عن ابن عبَّاس بالمعاقدة التي كانت بين المهاجرين والأنصار، وجاء عنه أيضًا من طريقين صحيحين أنَّ المراد بها تعاقدهم في الجاهلية يقول أحدهم للآخر: دمي دمك وهدمي هدمك وترثني وأرثك، وهذا لا ينافي التفسير السابق فإنَّ المعاقدة التي كانت بين المهاجرين والأنصار من جنس ما كانوا يفعلون قبل الإسلام؛ فذكر مرةً نوع العقد الذي عقده الصحابة وهو عقد الحلف الذي كان في الجاهلية، وذكر مرةً عينَ الحلف الذي فعله الصحابة وهو حلف المهاجرين والأنصار، قال ابن أبي حاتم فيما نقله عنه ابن كثير: وروي عن سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء والحسن وابن المسيب وأبي صالح وسليمان بن يسار والشعبي وعكرمة والسدي والضحاك وقتادة ومقاتل بن حيان, أنهم قالوا: هم الحلفاء. انتهى، قلت صحَّ معنى ذلك عن سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وابن المسيّب والسُّدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد، وغيرهم.
ومن هنا تعلم غلط من استدلَّ من الحنفية بقوله تعالى: (إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ) على أنَّ الكافر ليس له يمينٌ، فإنَّها ليست بمعنى الأليَّة في هذه الآية، ولا هو لازمًا من لسان العرب، والسياق ينفيه نفيًا بعيدًا فأيُّ مدخلٍ ليمين الأليَّة في الآيات وهي تأمر بالقتال، وكيف يكونُ وصفهم بأنَّهم لا أيمان لهم علةً لما سبقه من الأمر بقتالهم؟ وأيُّ مناسبة بينهما؟