فهرس الكتاب
وقتل الزنديق حدًّا هو أرجح القولين دليلًا مع ما ذكر ابن تيمية من قول جماهير الفقهاء أو كلهم بذلك، لكن لا يصحُّ الاستدلال على ذلك بمعاملة النبي صلى الله عليه وسلم للمنافقين لما قدَّمنا، ولا بقوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا) ، لأنَّ مقتضى الاستدلال به قتله ردَّةً، لكن يحسن الاستدلال عليه بما استدل به ابن القيم في الأعلام وهو قوله تعالى: (وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا) ؛ والعذاب الذي بأيدي المؤمنين يكون إذا أظهروا نفاقهم بقتلهم عليه، كما تقدَّم قريبًا في كلام ابن القيم، أمَّا الاستدلال على قتل الزنديق بنوعين من الأدلَّة لكلٍّ منهما موجَبٌ معارضٌ لما يوجبه النوع الآخر ففيه ضعفٌ ظاهر، والله أعلم.
وبقي استثناءٌ مما نفى في الآية من قوله تعالى: (إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ) ، وهو جواز تأمين هؤلاء المذكورين للضرورة، شرطَ ألاَّ يسقُطَ بالأمانِ الحدُّ الواجب، وهذا ظاهرٌ فإنَّ ما جاز بغير أمانٍ جائزٌ عقد الأمان عليه، ويجوز تأخير قتل الطاعن في الدين من المعاهدين أو المرتدِّين عند الاضطرار إلى ذلك؛ فيجوز عقد الهدنة عليه، ودليله عموم أدلَّة الاضطرار فيُباح من تأخير هؤلاء ومهادنتهم ما يُباح من الميتة للمضطر، مع عدم إسقاط الحق الشرعي، وهذا كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتل ابن النوَّاحة وهو مرتدٌّ مستحقٌّ القتلَ ردةً لأنَّه رسولٌ ولم يُسقط عنه القتلَ وإنَّما تركه كما تُترك الرسل حتَّى يبلغَ مأمَنَه.
وأمَّا ما يتعلَّق بقوله تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) فقد تقدَّم الكلام فيه مستوفىً والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
[1] في الأصل خطأ في الآية.