الصفحة 78 من 79

الأوَّل: الحدود، واستحقاق أصحابها العقوبات إذا رُفعوا إلى السلطان، وعدم سقوطها عندئذٍ بالتوبة، فإن جعلنا الزندقة منها، حكمنا بإسلام الزنديق إن أظهر التوبة ولم نُسقط عنه القتل، وعاملناه بما أشار إليه ابن تيمية من قتله حدًّا ومعاملته معاملة مسلم، ومناط الحكم عليه ما قلنا بكفره لأجله، فيكون الحدُّ عقوبةً على عين الأقوال التي قالها والأعمال التي عملها، ومما يُستدلُّ به لهذا الأصل غيرُ ما تقدَّم قتل ابن مسعودٍ لابن النوَّاحة، وقد استدلَّ به بعض أهل العلم، لأنَّ ابن مسعودٍ قبل توبة من معه ولم يقبل منه، وهذا ضعيفٌ؛ فإنَّ الذين معه وقبل منهم ابن مسعودٍ كانوا يُسرُّون كفرَهم مثله فهم في الزندقة سواء، لكن قد يُستدلُّ بهذا لمذهب من قال بقتل الزنديق إن تكررت منه الردَّة إن لم يثبت أنَّ هؤلاء النفر كانوا ممن ارتدَّ مع مسيلمة، وأقرب الوجوه في حديث ابن مسعودٍ أنَّ قتله لحرابته المتمثلة في إمامته في الكفر مرَّتين، ودعوته إلى الردَّة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعده مع زندقته واستتاره فإن قُبلت توبة مثل هذا مرة سعى في الأرض فسادًا مراتٍ قبل أن يُوقف عليه.

الثاني: الكفر، والأصل في الكافر قبول توبته إلاَّ أنَّ الزنديق يُستثنى لعدم ظهور التوبة فيه بخلاف سائر الكفار، فإذا قُتل على هذا فإنَّ قتله يكون على الكفر ويُقتل مرتدًّا ويكون ماله فيئًا، وهو مقتضى ما استدل به ابن القيِّم.

فعلى الأول يكون قتل الزنديق طردًا لأصلٍ ثابتٍ هو إقامة الحدود بعد بلوغها السلطان وعدم إسقاطها بالتوبة كحد الزنا والسرقة وغيرها، وعلى الثاني يكون قتل الزنديق استثناءً من أصل قبول التوبة من الكافرين عامَّةً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت