وعلى هذا لا يكون قول حذيفة رضي الله عنه مخالفًا لذلك القول في سبب النزول، وإنَّما يُقال: إنَّ الآية نزلت في مشركي قريشٍ، وجاءت بحكمين لهم: حكمٍ إن استقاموا للمسلمين وحفظوا العهد، وحكمٍ إن نكثوا العهد وطعنوا في الدين، فلم يقع قتالهم لعدم نقضهم العهد، وإن كانوا هم سبب النزول، فجائزٌ أن تنزل الآية في الوعيد على فعلٍ ولا يقع الوعيد، أو في الأمر بشيءٍ من الأشياء عند شرطٍ من الشروط ثمَّ لا يقع ذلك الشرط وقت النزول أو لا يقع البتّة؛ إذ لا فرق بين نزول حكم لا يُعمل به بعينه حتى يُنسخ ويُتعبّد باعتقاده والاستعداد له، ونزول حكمٍ لا يُعمل به حتَّى القيامة مع التعبُّد باعتقاده والاستعداد له، فكلا الصورتين تحصل فيها فائدة التكليف الاعتقادية دون العملية، ويشهد له قول حذيفة كما في صحيح البخاري:"لم يبق من أهل هذه الآية إلاَّ أربعة"، فلا يُمكن أن يقول إنَّ أهل هذه الآية الذين نزلت فيهم لم يوجدوا بعد، مع قوله إنَّهم مضوا حتى لم يبق منهم إلاَّ أربعةٌ.
هذا على أنَّ هذا الحكم الوارد في الآيات يقع كثيرًا ووقع كثيرًا، وليس ممَّا لم يقع وإنَّما الذي لم يقع هو صورة الحكم واجتماع الصفات الواردة في الآية، والتطابق التامُّ في الصفة لا يُشترط في وقوع الحكم وإنَّما يُشترط في معرفة سبب النزول؛ لما تقرَّر في الأصول أنَّ سبب الحكم قطعيُّ الدُّخول، أمَّا في الحكم فالمُشترط هو التطابق فيما كان مناطًا للحكم من الصِّفات دون سائرها مما يُذكر للتحريض أو العتاب ونحو ذلك.
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب: