[الكاتب: أبو قتادة الفلسطيني]
قرأت في صفحة الشيخ المقدسي سؤالا لأحد الزوار يقول فيه: (أن علي بن أبى طالب رضي الله عنه ليس أميرا للمؤمنين كخليفة وإنما هو كان أميرا لبعض المؤمنين لأنه لم يستطع أن يحقق مقاصد الخلافة) ، ويقول: (والدليل على أنه ليس أميرا للمؤمنين أنه لم يستطع أن يلزم الذين لم يبايعوه بالبيعة فلا يسمى أميرا للمؤمنين، وكذلك الحسن بن على ليس أميرا للمؤمنين ولا يسمى خليفة) ، فلم يستطع الشيخ الرد عليه حتى يعلم معنى قولكم هذا.
أرجو منكم الاستفسار حتى يتسنى لي فهم هدا القول والرد على السائل؟
وبارك الله فيكم.
الجواب:
ما نقل عني على هذا الوجه دون النظر لما يبحث فيه من موضوع؛ هو قطع للكلام من سياقه، وهذا القطع قد أفسده وأذهب المعنى المراد منه، ومن فعل ذلك فقد كذب على القائل واتهمه وافترى عليه.
كان البحث يدور حول حقيقة الخلافة الشرعية، وهي عينها الحقيقة القدرية، ولا فرق بينهما.
هناك جماعة تقول؛ إن الخلافة هي مجرد العقد بين واحد من الناس لواحد على الإمامة، دون النظر لمقاصد الخلافة أوجدت أم لم توجد.
ومن يقول هذا جاهل - عندي - بدين الله تعالى لا يدري ما يقول ولا يفهم الأوامر الشرعية، لأنه في الحقيقة يعطل الأوامر عن حقيقتها والتي لا تقوم مقاصدها إلا بهذه الحقائق.
لكن هؤلاء يعتبرون الألفاظ دون الحقائق، حتى تبين عندهم أنه لو وجد رجلان من المسلمين في سجن من السجون لا يقدران إلا على الصلاة فقط؛ لوجب أن يبايع أحدهما الآخر على الخلافة إذا لم يكن للمسلمين خليفة! وهو قول باطل.
تطرق البحث على موضوع الحقيقة الشرعية للخلافة؛ فكان مما قلته: إن الخلافة لا تثبت إلا بأمرين، بالطاعة القائمة على الرضا، والطاعة القائمة على الغلبة، فمن لم يكن تحت الخليفة بهذين الأمرين لا يكون الأمير أميرا عليه على الحقيقة.
وكان مما تعرضت له موضوع معاوية رضي الله عنه مع علي بن أبي طالب؛ هل علي بن أبي طالب أمير على معاوية ومن معه، فكان الجواب: لا، لم يكن أميرا عليهم، لأنهم لم يخضعوا لأمره، لا عن رضا ولا عن غلبة، وعلي كان يقاتلهم ليدخلهم في طاعته تحت إمارته.
فكان أن سأل أحدهم - فيما أذكر - هل يعني هذا أن عليا لم يكن أميرا للمؤمنين؟ فبينت له أنه لم يكن أميرا لكل المؤمنين، لأن هناك من المؤمنين من لم يدخل في طاعته، لا عن رضا ولا عن غلبة.
نعم هو الخليفة الشرعي، لكن هناك من لم يكن تحت طاعته، فلم يكن أميرا له على الحقيقة.
هذا هو الموضوع وهذه حقيقته.
ولما كان في القوم كذب وافتراء، وكانت الجلسة فيها الفجور والاعتداء، صاح البعض وماج، وربما لم يسجلوا تفسيري للكلام الذي قلته، لكن الصادقين منهم يعلمون مرادي ولا يوافقونهم فيما نسبوه لي، بل بعضهم قد اعتذر لي عن هذا الكذب والافتراء ويأسف لنقله على هذا الباب والمعنى.
ويقال في الحسن رضي الله عنه؛ هذا الأمر كذلك.
وسبب جهل هؤلاء القوم، أنهم لا يفرقون بين الحقيقة الشرعية والحقيقة القدرية في هذا الجزء من البحث، فعلي أمير المؤمنين الشرعي ومن خرج عنه فهو باغ - كما في الحديث - لكن هل كل المؤمنين كانوا تحت إمرته؟ الجواب: لا ولا شك.
ثم هناك مسألة أخرى؛ وهو ما نسب للإمام أحمد من قوله: (من قال إن عليا لم يكن أميرا للمؤمنين فهو أضل من حمار أهله) .
فالصحيح أنه ورد عنه كذلك إنكار هذه الكلمة، لأن هناك من الخيار - كمعاوية - لم يكونوا يرونه أميرا للمؤمنين، فلا يقال عنهم هذا القول الشديد.
والله أعلم