نعم، هم الذين تنازلوا عن الإسلام وعن حق الله ابتداء، وهاهم قد تنازلوا عن فلسطين وعن حق الأمة انتهاء.
فلا شرعية لوجودهم كما أنه لا شرعية لعقودهم.
ثم هل المصلحة التي تحققت للأمة المسلمة والتي كانت مناط الحكم في"صلح الحديبية"؟ هل هي متحققة في صلح"حكام العرب مع اليهود"؟ هذا فيما لو اعتبرنا أن واقع الأمة ضعيف ويستوجب مثل هذا الصلح وهل جنح اليهود للسلم وهو شرط لجنوحنا اللاحق؟
وماذا يفهم من جنوحهم سوى إعادة ما اغتصبوه، ذلك أن الشريعة قررت أن الغاصب"المسلم"لا يملك ما استولى عليه بالعدوان، فكذلك"الكافر"يملك ما استولى عليه، وأنه لا فارق بينهما إلا الكفر في الفرع والإسلام في الأصل، لكن الإسلام لا يصلح أن يكون مانعًا من الملك، والكفر لا يصلح أن يكون مقتضيًا للملك، فوجب انتفاء سبب الملك في حق المسلم الغاصب وفي حق الكافر المستولي، وعلى اليد ما أخذت حتى تؤديه أو ترده.
وهكذا كان وصف العلّة التي ذهب إليها من أفتى بجواز الصلح مضطربًا غير منضبط، ومعلوم أن انضباط العلة شرط لصحتها، وعليه يسقط استدلاله من أساسه، بل ويتناقض ما ذهب إليه من استدلال مع قول الله عز وجل: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن ينزكم أعمالكم} [محمد: 35] .
ثم إذا افترضنا - جدلًا - أن الصلح مع العدو جائز شرعًا، فهذا الافتراض لا يزيد عن كونه حكمًا ظنيًا، فهل هذا الحكم الظني يدفع الحكم القطعي بوجوب الجهاد وقتال اليهود، وكل أقوال العلماء في هذا تتردد ما بين فرضه عينًا أو كفايةً بحسب القرب من ديار بيت المقدس أو البعد عنها، وحتى يعود الحق إلى أهله ويتبر فساد وعلو بني إسرائيل.
وباختصار شديد؛ هذا هو الفرع - المقيس - الذي يراد لنا قسرًا أن نقيسه على"صلح الحديبية"الأصل، فهل يقول عاقل بهذا؟
إن الإسلام بمبادئه الكلية الثابتة هو الذي يحدد لأمتنا مرجعيتها العليا، فتعالوا لنتفق على أن كل موقف يصطدم بروح الإسلام هو بالضرورة يصطدم بمصالح الأمة فنحكم ببطلانه، ومتى اتفقنا على هذا نكون قد وضعنا أقدامنا على أول الطريق القويم.