الصفحة 59 من 62

يدل عليه قوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ} ، فبين سبحانه أنهم أينما ثقفوا فعليهم الذلة، إلا مع العهد، فعلم أن من معه عهد وحبل فلا ذلة عليه.

وأيضًا فقوله تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} ، عقب قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ} ؛ دليل على أن المحادّة مغالبة ومعاداة حتى يكون أحد المتحادّين غالبًا والآخر مغلوبًا، وهذا إنما يكون بين أهل الحرب لا أهل السلم، فعُلم أن المحادّ ليس بمسالم.

وأيضًا فإن المحادّة من المشاقّة، لأن المحادّة من الحد والفصل والبينونة، وكذلك المشاقّة من الشق، وهو بهذا المعنى فهما جميعا بمعنى المقاطعة والمفاصلة، ولهذا يقال؛ إنما سميت بذلك لأن كل واحد من المتحادّين والمتشاقّين في حد وشِقّ من الآخر، وذلك يقتضي انقطاع الحبل الذي بين أهل العهد إذا حادّ بعضهم بعضًا، فلا حبل لمحادّ الله ورسوله.

وأيضًا فإنها إذا كانت بمعنى المشاقة، فإن الله سبحانه قال: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} ، فأمر بقتلهم لأجل مشاقّتهم ومحادتهم، فكل من حاد وشاق يجب أن يفعل به ذلك لوجود العلة) انتهى كلامه.

الدليل التاسع؛ قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} .

فأمر الله تعالى بقتالهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله، فإن انتهوا فلا عدوان بقتل وقتال إلا على الظالمين.

والمعاهد؛ إذا سعى في نشر الفتنة - ومنها الديمقراطية - وسعى إلى إزالة الإسلام، وحارب المسلمين وغزا ديارهم فهو لم ينته عن الفتنة والظلم، فيتعين قتله وقتاله حتى ينتهي، لقوله تعالى: {فَإِنِ انتَهَوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} .

يقول الإمام ابن القيم: (فمد قتالهم إلى أن ينتهوا عن أسباب الفتنة - وهي الشرك - وأخبر؛ أنه لا عدوان إلا على الظالمين، والمجاهر بالسب والعدوان على الإسلام غير منتهٍ، فقتاله واجب إذا كان غير مقدور عليه، وقتله مع القدرة حتم، وهو ظالم، فعليه العدوان الذي نفاه عن من انتهى، وهو القتل والقتال) انتهى كلامه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت