ثم قالوا: (فإن التكفير مزلق خطير وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما: أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه) والحديث دليل على منع إطلاق التكفير حتى لمن يشتبه حاله أنه كذلك ولهذا لم يعذره بالحديث فكيف بمن يكفر الأخيار والصالحين والأئمة لمجرد المخالفة).
نقول: يحتمل هذا السياق القول بتكفير من قال لأخيه يا كافر لقوله - ولهذا لم يعذره بالحديث ... - دون تفصيل أو بيان، ولا شك أن هذا إطلاق خاطئ بل هو عين التناقض، إذ كيف يحذّرون من إطلاق التكفير ثم يشرحون الحديث بما يحتمل هذا الفهم، وقبل ذلك قالوا بمنع إطلاق التكفير لمن يشتبه حاله أنه كذلك، فكأن الكلام فيه نوع من الأحاجي والألغاز والطلاسم.
وعلى كل حال؛ فإن الحديث لا يدل على ذلك أبدًا كما قال العلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين:(وظاهر كلام النووي في شرح مسلم ... أن المسلم لا يكفر بالمعاصي كالقتل والزنا وكذا قوله لأخيه:"يا كافر"من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام، ثم حكى في تأويل الحديث وجوهًا أحدها أنه محمول على المستحل، ومعنى"باء بها"؛ أي بكلمة الكفر، وكذا"حارت عليه"، وفي رواية؛ أي رجعت عليه كلمة الكفر، فباء وحار ورجع بمعنى.
الثاني: رجعت عليه نقيصتة لأخيه ومعصية تكفيره.
الثالث: أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين وهذا نقله القاضي عياض عن مالك وهو ضعيف لأن المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون، والمحققون أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع.
الرابع: أنه يؤول إلى الكفر فإن المعاصي كما قالوا؛ بريد الكفر ويخاف على المكثر أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر ويؤيده رواية أبي عوانة في مستخرجه على مسلم؛"فإن كان كما قال وإلا فقد باء بالكفر".
الخامس: فقد رجع بكفره وليس الراجع حقيقية الكفر بل التكفير كونه جعل أخاه المؤمن كافر فكأنه كفَر بنفسه، إما لأنه كفر من هو مثله وإما لأنه كفر من لا يكفره إلا كافرا يعتقد بطلان الإسلام) انتهى [الدرر: 10/ 362 - 363] .
ويفهم من البيان منع التكفير مطلقًا، وهذا لا يقول به أهل السنة والجماعة من السلف والخلف رحمهم الله، بل هو قول المرجئة سلفهم وخلفهم، فلا يكفرون إلا بالاعتقاد ولا يكفرون بالقول والعمل.
قال الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب على سؤال ورد إليه:(وقولكم لم تُكفرون من يعمل بفرائض الإسلام الخمس؟ فقد كان في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم من أنتسب إلى الإسلام ثم مرق من الدين، كما في الصحيح؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث البراء بن عازب معه الراية إلى رجل تزوج امرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله وقد انتسب إلى الإسلام وعمل به، ومثل قتال الصديق والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة وسبى ذراريهم وغنيمة أموالهم وتسميتهم مرتدين بعد ما عملوا بشرائع الإسلام، ومثل إجماع التابعين على قتل الجعد بن درهم وهو مشتهر بالعلم، إلى غير ذلك جرى وقائع لا تعد ولا تحصى.
ومثل بني عبيد الذين ملكوا مصر والشام وغيرها مع تظاهرهم بالإسلام وصلاة الجمعة والجماعة ونصب القضاة والمفتين لما أظهروا من الأقوال والأفعال ما أظهروا، ولم يتوقف أحد من أهل العلم والدين عن قتالهم مع ادعائهم الملة ومع قولهم لا إله إلا الله أو لأجل إظهار شيء من أركان الإسلام، إلا ما سمعنا منكم، فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب وهو"باب حكم المرتد"وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه ... ) [الدرر: 10/ 104 - 105] .
وكلام العلماء في هذا الباب أعني علماء نجد وهم أئمة الدعوة أكثر من أن يحصر.
وقالوا: (فكيف بمن يُكفر الأخيار والصالحين والأئمة والعلماء لمجرد المخالفة) .
نقول؛ هذا لكلام فيه مبالغة واضحة، ولو وجد من يُكفر الأخيار والصالحين والأئمة والعلماء لمجرد المخالفة فهذا لا يخلوا من ثلاث حالات:
1)أن يكفرهم هوى أو عصبية أو عداوة فهذا ضلال عظيم وانحراف مبين وعليه يتوجه حديث: (من قال لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما) ، ومن فعل ذلك غُلّظ عليه وحُذّر منه أيضًا.
2)أن يكفرهم لمخالفة في مسألة اجتهادية أو يكفرهم لبدعة وقعوا فيها أو لقول غير صائب أو لمسألة خفية، فهذا أيضًا ضلال وانحراف وعليه يتوجه الحديث السابق ومن فعل ذلك غُلّظ عليه وحُذّر منه.
3)أن يكفرهم لمخالفة في مسائل ظاهرة معلومة من الدين بالضرورة، كإنكار الولاء والبراء أو تجويز الكفر والشرك الذي من أجله أرسلت الرسل وأنزلت الكتب وشرعت الشرائع، فهذا مصيب - إن شاء الله -
قال العلامة أبابطين رحمه الله: (فالمدعي أن مرتكب الكفر متأولًا أو مجتهدًا أو مخطئًا أو مقلدًا أو جاهلًا معذور؛ مخالف للكتاب والسنة والإجماع بلا شك، مع أنه لابد أن ينقض أصله فلو طرد أصله كفر بلا ريب، كما لو توقف في تكفير من شك في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم) [عقيدة الموحدين: ص18] .
قالوا: (والمعنى ما دام ثمة مجرد احتمال ألا يكون الموصوف كافر، فلا يحل لمسلم أن يطلق عليه هذا لأنه يرجع عليه .. ) .
نقول وقد سبق توضيح المراد من الحديث ومعنى رجعت عليه، وأما قولهم: (ما دام ثمة مجرد احتمال) ، فهذا الكلام لا يخلوا من حالين:
1)أن يكون الكفر الذي صدر بفعل أو قول واضحًا صريحًا كمن سب الله ورسوله أو سخر بشعائر الإسلام الظاهرة والمعلومة من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في تكفيره وإنما اختلف أهل العلم في قبول توبته، كما قال الله تعالى في النفر الثلاثة الذين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وقد ذهبوا إلى الجهاد فلما قالوا ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء، كفّرهم الله بذلك ونزل فيهم قوله تعالى: {قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم .. } ، فهذه الآية صريحة في تكفيرهم، وكما قال تعالى: {ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم} .
2)أن يكون الكفر الذي صدر غير صريح وغير واضح فهذا الاحتمال فيه سائغ فلا يُكَفر.
فأي الاحتمالين تعنون؟ وهل هناك أحد من أهل العلم يقول بكفر هذا النوع أعني الثاني فإن كان موجودًا وله تأثير على الناس فلماذا لا يحذر منه علانية؟
ثم قالوا: (وهذه سيرته صلى الله عليه وسلم وسيرة خلفائه الأربعة وأصحابه جميعًا وسيرة تابعيهم بإحسان ومن بعدهم كالأئمة الأربعة وكبار أصحابهم، فلا ترى فيها ملاحقة للناس بالتكفير ولا اشتغالًا بها مع وجود الكفر والشرك والنفاق في زمانهم، بل كانوا يتأولون لمن وقع في شيء من ذلك من أهل الإسلام ما وسعهم التأويل {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} ) .
نقول؛ سبحانك هذا بهتان عظيم بل أي جرأة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين والأئمة بعد هذه الجرأة، فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وإلا فأين اشتغال أبي بكر الصديق بإجماع الصحابة رضي الله عنهم أجمعين بقتال المرتدين والذي يعد من أهم وأعظم مناقبه رضي الله عنه؟ وقبل قتالهم تكفيرهم؟ قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} ، وقال تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم: {لئن أشركت ليحبطن عملك} ، وقال تعالى عن أنبياءه ورسله: {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون أولئك الذين آتيناهم الحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا قوما ليسو بها بكافرين} .
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: (ومن أعظم ما يحل الإشكال في مسألة التكفير والقتال عمن قصد إتباع الحق إجماع الصحابة على قتال مانعي الزكاة وإدخالهم في أهل الردة وسبي ذراريهم وفعلهم فيهم ما صح عنهم وهو أول قتال وقع في الإسلام على من إدعى أنه من المسلمين فهذه أول وقعة وقعت في الإسلام على هذا النوع أعني المدعين للإسلام وهي أوضح الوقعات التي وقعت من العلماء عليهم من عصر الصحابة إلى وقتنا هذا ... ) ، إلى أن قال:(كما ذكر أنه صلى الله عليه وسلم بعث البراء ومعه الراية إلى رجل تزوج امرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله.
ومثله همه بغزو بني المصطلق لما قيل أنهم منعو الزكاة، ومثل قتال الصديق وأصحابه لمانعي الزكاة وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم وتسميتهم مرتدين، ومثل إجماع الصحابة في زمن عمر على تكفير قدامة بن مظعون وأصحابه إن لم يتوبوا لما فهموا من قوله تعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا} حل الخمر لبعض الخواص.
ومثل إجماع الصحابة في زمن عثمان في تكفير أهل المسجد الذين ذكروا كلمة في نبوة مسيلمة مع أنهم لم يتبعوه، وإنما اختلف الصحابة في قبول توبتهم.
ومثل تحريق علي رضي الله عنه أصحابه لمّا غلوا فيه، ومثل إجماع التابعين مع بقية الصحابة على كفر المختار بن أبي عبيد ومن اتبعه مع أنه يدعي أنه يطلب بدم الحسين وأهل البيت.
ومثل إجماع التابعين ومن بعدهم على قتل الجعد بن درهم وهو مشهور بالعلم والدين وهلم جرا، من وقائع لا تعد ولا تحصى.
ولم يقل أحد من الأولين والآخرين لأبي بكر الصديق وغيره كيف تقتل بني حنيفة وهم يقولون؛ لا له إلا الله، ويصلون، ويزكون. وكذلك لم يستشكل أحد تكفير قدامة وأصحابه لو لم يتوبوا وهلم جرا.
إلى زمن بني عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر والشام وغيرها مع تظاهرهم بالإسلام وصلاة الجمعة والجماعة ونصب القضاة والمفتين لما أظهروا من الأقوال والأفعال ما أظهروا، لم يستشكل أحد من أهل العلم والدين قتالهم ولم يتوقفوا فيه وهم زمن ابن الجوزي، والموفق، وصنف ابن الجوزي كتابًا لما أخذت مصر منهم سماه"النصر على فتح مصر"، ولم يسمع أحد من الأولين والآخرين أن أحدًا أنكر شيئا من ذلك أو استشكل لأجل ادعائهم الملة، أو لأجل قول لا إله إلا الله، أو لأجل إظهار شيء من أركان الإسلام) إنتهى [عقيدة الموحدين: 69 - 70] .
نقول؛ وكأنهم بهذا الكلام يشيرون منكرين ومعترضين على أناس من أهل العلم، الذين أصدروا فتاوى في تكفير أناس - كتركي الحمد أو منصور النقيدان أو غيرهم - لأنه صدر منهم ما يوجب الكفر والردة؛ كسب الله ورسوله والسخرية بهما أو التطاول على الشعائر الإسلامية، أو حصل منهم نوع من الثناء على المذاهب الكافرة كالعلمانية وغيرها، فهذه أسباب توجب تكفيرهم، فهؤلاء العلماء مجتهدون ومصيبون مأجورون إن شاء الله.
فإن كان موقعوا البيان يريدون ذلك؛ فقد أغلقوا باب الردة، والذي لا يوجد كتاب في الفقه من المذاهب الأربعة، بل والتفسير والحديث والعقائد إلا وفيه الحديث عن هذه القضايا، بل وأفردت المؤلفات في بيان ذلك، وكل هذا بحمد الله معلوم.
والتكفير حكم شرعي فمن قام به موجب الكفر وتحقق ذلك شرعًا وجب تكفيره.
وأما قولهم: (ولا اشتغالا بها مع وجود الكفر والشرك والنفاق في زمانهم) .
نقول؛ قال رسول الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى يعبد فئام من أمتي الأوثان) .
قال العلامة ابن سحمان رحمه الله: (وهكذا في كل قرن وعصر من أهل العلم والفقه والحديث طائفة قائمة تكفر من كفره الله ورسوله وقام الدليل على كفره لا يتحاشون عن ذلك بل يرونه من واجبات الدين وقواعد الإسلام، وفي الحديث؛"من بدل دينه فاقتلوه"، وبعض العلماء يرى أن هذا والجهاد عليه ركن لا يتم الإسلام بدونه، وقد سلك سبيلهم الأئمة الأربعة المقلدون وأتباعهم في كل عصر ومصر، وكفروا طوائف أهل الإحداث كالقرامطة والباطنية وكفروا العبيديين من ملوك مصر وهم يبنون المساجد ويصلون ويؤذنون، ويدّعون نصر أهل البيت. وصنف ابن الجوزي كتابًا سماه"النصر على مصر"ذكر فيه؛ وجوب قتالهم وردتهم وأن دارهم دار حرب) [الضياء الشارق: 163 - 164] .
وقال العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: (وأما إن كان المكفر لأحد من هذه الأمة يستند في تكفيره له إلى نص وبرهان من كتاب الله وسنة نبيه، وقد رأى كفرًا بواحًا، كالشرك بالله وعبادة ما سواه والاستهزاء به تعالى أو بآياته أو برسله أو تكذيبهم أو كراهة ما أنزل الله من الهدى ودين الحق أو جحد صفات الله تعالى ونعوت جلالته ونحو ذلك، فالمكفر بهذا وأمثاله مصيب مأجور مطيع الله ورسوله) [فتاوى الأئمة النجدية: 3/ 266] .
وقال أيضًا رحمه الله تعالى: (وأما إهمال الجهاد وعدم تكفير المرتدين ومن عدل بربه واتخذ معه آلهة وأندادا فهذا إنما يسلكه من لم يؤمن بالله ورسوله ولم يعظم أمره ولم يسلك صراطه ولم يقدّر الله ولا رسوله حق قدره بل ولا قدر علماء الأمة وأئمتها حق قدرهم وهذا هو الحرج والضيق، قال تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} ، والجهاد للمارقين والمرتدين وتكفيرهم داخل في مسمى الإسلام بل هو من أركانه العشرة كما نص عليه بعض المحققين) [مصباح الظلام؛ 29] .