قالوا: (ولا شك أن قصد الإجتماع على البر والتقوى يوجب مقامات من أهمها الصبر وترك العجلة وتجنب الأفتيات على خاصة الأمة وعامتها بقول أو فعل يحرك عدوها) .
نقول إن من أهم مقامات الاجتماع على البر والتقوى الجهاد في سبيل الله لطرد الغزاة لا سيما في مثل هذه النازلة العظيمة.
قال شيخ الإسلام في نازلة التتار: (فهذه الفتنة قد افترق الناس فيها ثلاث فرق: الطائفة المنصورة، وهم المجاهدون لهؤلاء القوم المفسدين. والطائفة المخالفة، وهم هؤلاء القوم ومن تحيز إليهم من خبالة المنتسبين إلى الإسلام. والطائفة المخذلة وهم القاعدون عن جهادهم. وإن كانوا صحيحي الإسلام فلينظر الرجل أيكون من الطائفة المنصورة أم من الخاذلة أم من المخالفة، فما بقي قسم رابع) [الفتاوى: 14/ 495] .
نقول هذا الكلام في التتار وفيهم من ينتسب إلى الإسلام، إذًا فكيف بهذه النازلة من الصليبيين أهلكهم الله؟
وقال رحمه الله تعالى:(وأعلموا أصلحكم الله أن من أعظم النعم على من أراد الله به خيرًا أن أحياه إلى هذا الوقت الذي يجدد الله فيه الدين، ويحيي فيه شعار المسلمين وأحوال المؤمنين والمجاهدين حتى يكون شبيهًا بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار فمن قام في هذا الوقت بذلك، كان من التابعين لهم بإحسان الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا، ذلك الفوز العظيم فينبغي للمؤمنين أن يشكروا الله تعالى على هذه المحنة التي حقيقتها منحة كريمة من الله، وهذه الفتنة التي باطنها نعمة جسيمة حتى والله لو كان السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وغيرهم حاضرين في هذا الزمان لكان من أفضل أعمالهم جهاد هؤلاء القوم المجرمين.
ولا يفوتُ مثل هذه الغَزَاةِ إلا من خسرت تجارته وسفه نفسه وحرم حظًا عظيمًا من الدنيا والآخرة) [الفتاوى: 14/ 497] .
أما دعوى إيجاب الصبر وترج العجلة فخير البر عاجله ووجوب دفع الصائل على الفور ودعوى الافتيات على الأمة، يردها قوله تعالى: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ... الآية} .
ثم قالوا: (ثم ذكر العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام [95] أن أي قتال للكفار لا يتحقق به نكاية بالعدو فإنه يجب تركه لأن المخاطرة بالنفوس إنما جازت لما فيها من مصلحة إعزاز الدين والنكاية بالمشركين فإذا لم يحصل ذلك وجب ترك القتال لما فيه من فوات النفوس وشفاء صدور الكفار وإرغام أهل الإسلام وبذا صار مفسدة محضة ليس في طيها مصلحة) :
نقول سبحان الله! هل وصلوا هذا الحد في عدم فهم أقوال العلماء؟!
إن هذا كلام العز رحمه الله في جهاد الطلب لا في جهاد الدفع، فإنا لله و إنا إليه راجعون، وإليك نص كلام العز كاملًا بحروفة بحروفه: (التولي يوم الزحف مفسدة كبيرة لكنه واجب إذا علم أنه يقتل من غير نكاية في الكفار، لأن التغرير بالنفوس إنما جاز لما فيه من مصلحة إعزاز الدين بالنكاية بالمشركين فإذا لم تحصل النكاية وجب الانهزام لما في الثبوت من فوات النفوس مع شفاء صدور الكفار وإرغام أهل الإسلام، وقد صار الثبوت هاهنا مفسدة محضة ليس في طيها مصلحة) [1/ 111 - 112، دار الجيل] .
وأخرج الإمام أحمد والترمذي وقال: (هذا حديث صحيح) ، وصححه ابن حبان والحاكم من طريق ربعي بن حراش عن زيد بن ضبيان يرفعه إلى أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله فأما الذين يحبهم الله .... ورجل كان في سرية فلقي العدو فهزموا، وأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له .... ) .
وبوب ابن حبان على هذا الحديث [11/ 91] : (ذكر البيان بأن الثبات في الحرب عن إنهزام المسلمين مما يحبه الله) إهـ.
وقد كان بعض السلف يثبت لوحده للعدو أو يهجم عليهم بمفرده.
وأخرج أبو داوود والترمذي وصححه والنسائي في الكبرى وصححه ابن حبان كلهم من طريق يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال: (غزونا من المدينة نريد القسطنطينية وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد والروم ملصقوا ظهورهم بحائط المدينة فحمل رجل على العدو فقال الناس: مَهْ! مَهْ! لا إله إلا الله يلقي بيديه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب [3] : إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام قلنا هلمّ نقيم في أموالنا وُنصلحها فأنزل الله تعالى: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة} فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد. قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية) .
فتبين أن المصلحة في مهاجمة العدو والثبات عند لقائه حتى لو كان الإنسان وحده وأن ترك الجهاد من إلقاء اليد بالتهلكة، وليعلم أن كلام العز بن عبد السلام رحمه الله فيما يظهر ليس في قتال الدفع وإنما في قتال الطلب، والله أعلم.
وعلى كل حال فكلام العز رحمه الله يحمل على التحام الصفوف، فأين قوله من قولكم؟! وهو يقصد أن ينهزموا في تلك المعركة وبالإمكان أن يرجعوا مرة أخرى، أما قولكم فيتضح فيه ترك القتال جملة وتفصيلًا.
قالوا: (بل المقرر عند أئمة السنة أن حل الدم لا يوجب سفكه إذا اقتضت المصلحة العامة عدمه، كما ترك الرسول صلى الله عليه وسلم قتل عبد الله بن أبي لمصلحة عامة المسلمين حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) .
نقول: قال القاضي عياض رحمه الله:(فصل؛ فإن قلت لم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم اليهودي الذي قال له؛ السام عليكم، وهذا دعا عليه، ولا قتل الآخر الذي قال له؛ إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله، وقد تأذى رسول الله صلى لله عليه وسلم من ذلك، وقال؛"قد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر"، ولا قتل المنافقين الذين كانوا يؤذونه أكثر الأحيان؟
فاعلم - وفقنا الله وإياك - أن النبي صلى لله عليه وسلم كان أول الإسلام ليتألف عليه الناس ويميل قلوبهم ويحبب إليهم الإيمان .. ويقول لأصحابه؛"إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثو منفرين"... ويقول؛"لا يتحدث الناس أن محمد يقتل أصحابه") .
إلى أن قال: (وذلك لحاجة الناس للتألف أول الإسلام وجمع الكلمة عليه، فلما استقر وأظهره الله على الدين كله قتل من قدر عليه واشتهر أمره، كفعله بابن خطل ومن عهد بقتله يوم الفتح ومن أمكنه غيلة من يهود وغيرهم، أو غيله ممن لم ينظمه قبل سلك صحبته والانخراط في جملة مظهري الإيمان بدءًا ممن كان يؤذيه، كابن الأشرف وأبي رافع والنظر وعقبة، وكذلك ندر دم جماعة سواهم ككعب ابن زهير وابن الزبعري وغيرهما ممن آذاه حتى القوا بأيديهم ولقوه مسلمين، وبواطن المنافقين مستترة وحكمه صلى الله عليه وسلم على الظاهر، وأكثر تلك الكلمات إنما كان يقولها القائل منهم خفية ومع أمثاله ويحلفون عليها إذا نميت وينكرونها ويحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر، وكان مع هذا يطمع فيأتهم ورجوعهم إلى الإسلام وتوبتهم ... ) .
إلى أن قال رحمه الله تعالى: (قال محمد بن المواز؛ لو أظهر المنافقون نفاقهم لقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقاله القاضي أبو الحسن بن القصار وقال قتادة في تفسير قوله تعالى: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورنك فيها إلا قليلًا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلًا سنة الله .. الآية} قال؛ معناه إذا أظهروا النفاق) انتهى [الشفا: 2/ 224 - 228] .
3)هو الأنصاري رضي الله عنه.