بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجميعين.
أما بعد:
فقد أطلعني الأخ الفاضل الشيخ محمد بن سالم الدوسري وفقه الله على ماكتبه في نقد البيان المسمى"الجبهة الداخلية رؤية شرعية"، فوجدته قد أحسن وأجاد وبيّن بعض ما في بيان الجبهة من خطأ، خاصة فيما يتعلق بالعقيدة كمسائل الإيمان والتكفير.
وقد سبق للشيخ محمد أن كتب ردًا على بعض من تأثر بمذهب المرجئة في الأردن في رسالة سماها:"رفع اللائمة عن فتوى اللجنة الدائمة"أجاد فيها وأفاد.
ويتضح مما كتبه الشيخ محمد في نقده لبيان الجبهة وما كتبه غيره أن بيان الجبهة لم يحرر علميًا كما ينبغي، وأنه قد وقع فيما حذّر منه.
فقد حذّر بيان الجبهة من أن يتكلم في مسائل التكفير والأسماء والأحكام من لم يحكم ذلك، وقد وقع في بيان الجبهة خلل ظاهر عند كلامه على بعضها، ومن ذلك أن بيان الجبهة لم يحكم الكلام في مسألة التكفير على طريقة أهل السنة والجماعة ونسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى أصحابه والأئمة من بعدهم أنهم لم يكونوا يشتغلون بالتكفير، وقد بيّن الشيخ محمد الدوسري في نقده هذا وبيّن غيره ممن كتب في الموضوع ونُشر على شبكة الإنترنت خطأ ذلك بالحجة والبرهان وساقوا أدلة كثيرة تبيّن أنهم كانوا يكفرون من وقع منه الكفر بشرطه، بل وقتلوا بعض من ارتد.
كما لم يحكم بيان الجبهة القول فيمن طعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزعم أنه لم يعدل في القسمة، حيث قرر البيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكفره لأنه يصلي!
وهذه زلة عجيبة لا تتفق مع أصول أهل السنة والجماعة بل تتفق مع أصل من تأثر بالمرجئة من المعاصرين الذين يشترطون الاستحلال القلبي ممن ارتكب مكفرًا، وإلا فقد بيّن الله تعالى في كتابه أن من لمز رسوله صلى الله عليه وسلم فهو منافق، قال تعالى: {ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} ، وإنما تركه النبي صلى الله عليه وسلم - والله أعلم - لأن الحق له، فله أن يستوفيه وله أن يعفو، فترك هذا وأمثاله حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، وقد بيّن هذا بيانًا شافيًا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في"الصارم المسلول"وبينه غيره أيضًا.
هذا؛ وأرى من المناسب قبل أن أختم هذا التقديم أن أشير إلى ما يردده البعض، وأشير إليه في بيان الجبهة من أن المجاهدين افتأتوا على خاصة الأمة وعامتها وأن من الواجب تجنب هذا الافتئات.
وهذا القول يؤول في الحقيقة إلى تعطيل الجهاد، فإن تعليقه على أمر مستحيل يعني بالضرورة تعطله وتوقفه، فأخذ رأي خاصة الأمة وعامتها؛ أمر نظري تجريدي بحت لا يمكن تطبيقه على أرض الواقع.
فمن خاصة الأمة؟ ومن يحصرهم؟ وأين هم؟ وهل يمكن أخذ رأي جميعهم؟ وكيف يتم ذلك؟ ثم من عامة الأمة؟ أهم كل من انتسب إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم في المشرق والمغرب؟ أم بعضهم؟ وما ضابط الوصف المؤهل لكون المرء ممن يؤخذ رأيه؟ وكيف يؤخذ رأيهم؟ ... الخ.
أسئلة لا تنتهي والإجابة عليها أعسر وتطبيق ذلك مستحيل.
ثم تأتي أسئلة أخرى؛ هل هذا الشرط خاص بالجهاد أو يكون فيه وفي غيره؟! فإذا كان خاصًا بالجهاد فما وجه التخصيص ومن الذي اشترطه من قبل؟ وإذا كان الشرط فيه وفي غيره مما يهم المسلمين عامة فهل سيسلم عمل من الافتئات على خاصة الأمة وعامتها؟
أسئلة تؤكد أن الشرط مستحيل، ومن أحال على مستحيل أو مجهول فما أنصف.
وختامًا:
أرجو أن يتأنى الأخوة، ويحتاطوا عند إعداد البيانات ويدرسوها دراسة وافية حتى لا تكون محلًا للنقد ولا تزيد في تفرقة صف أهل التوحيد والسنة.
كما آمل أن يتأنى المشايخ الفضلاء قبل التوقيع على البيانات حتى يتيقنوا سلامتها من الأخطاء، خاصة فيما يتعلق بالعقيدة فإن الزلة فيها ليست كغيرها.
والله تعالى الموفق للصواب.
جزى الله الشيخ محمدًا خيرًا على ما كتبه وبينه وجعله من أنصار دينه ونفع به إنه سميع قريب.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
كتبه؛ بشر بن فهد البشر