الصفحة 11 من 15

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله، وأشهد وأن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله.

أما بعد:

فإن الأمة الإسلامية اليوم تعيش واقعًا مرًا أليما فرضته الظروف الراهنة وأملته الأحداث المتداعية وهذا الوضع والحال الذي صاحبها مدة طويلة أثر في طرائق تفكيرها، وتحديد مواقفها وتعيين اتجاهاتها، ونظرها إلى الكثير من القضايا الصعبة الراهنة، وأعني بالأمة عامتها عامة، وخاصتها خاصة علماءها، ومفكريها، وذوي الرأي فيها، وإن كان الحديث متوجهًا أكثر إلى رجالات الأمة وعلمائها ورجال العلم وطلبته.

ومن هذه القضايا العظمى التي اختلفت النظرة حولها تبعًا لاختلاف المنطلقات، والاتجاهات مسألة؛ الجهاد في سبيل الله عمليًا وتنفيذًا وتطبيقًا، وأما نظريًا؛ فالآراء متطابقة أو متقاربة في أهميته والتأكيد عليه باعتباره مخرجًا مهمًا للأمة من أزماتها المتلاحقة.

ومع تنامي الصحوة الجهادية، وازدياد اتجاه المسلمين إلى الجهاد، ومناصرة أهله قناعة منهم بإفلاس الحلول السلمية والمساعي السياسية، وأن الناس في عالم لا يحترم إلا القوة والأقوياء، وأن الجهاد هو المخرج الوحيد والصحيح للأمة من الاستذلال والاستخفاف والمهانة، بدا أعداء الدين وفي مقدمتهم اليهود والنصارى يشعرون بالخطر ويصفون خلافاتهم، ويوحدون معسكراتهم ودولهم وأممهم ومواقفهم لمواجهة هذا التيار المتنامي تيار الجهاد في سبيل الله خاصة وهم يرون الدولة العظمى روسيا لا زالت تترنح تحت ضربات المجاهدين الأفغان، أولًا، والشيشان ثانيًا، واليهود في فلسطين يواجهون ما يواجهون، وحركات أخرى جهادية في طول العالم الإسلامي، وعرضه تذيق أعداء الله الكفار المحتلين صنوفًا من العذاب في الهند والفليبين وغيرهما.

وأخيرًا؛ وصل أعداء الله إلى القناعة بضرورة الغزو المسلح والزحوف والتدخلات العسكرية المباشرة في وقت كان يظن أن العالم المتحضر ودعها إلى غير رجعة.

ومع جدية الأمر وحتمية المواجهة وتلاقي الصفوف تباينت النظرة إلى الجهاد والمواجهة المسلحة مع أعداء الله وتميز الناس، فأما المؤمنون الصادقون ما عاهدوا الله عليه من الجهاد فقالوا؛ {هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا} ، وأما المنافقون ومن يسمون بالعلمانيين فأعلنوا عما تكن نفوسهم، وتضمره دواخلهم وبدأت تروج مقولات أسلافهم؛ {إن بيوتنا عورة} ، {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده} ، {لا مقام لكم فارجعوا} ... وعن المجاهدين والشهداء: {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا} ، {لو أطاعونا ما قتلوا} .

وليس هذا بغريب على أهل الريب والنفاق والشك والريبة والتردد إنما الغريب أن تبرز أصوات عالية من طلبة العلم أنفسهم والدعاة إلى الله وممن نظن فيهم الخير والصلاح وحب نصرة الإسلام والدفاع عنه ولهم في ذلك ماض مجيد ومشرف تجنح هذه الأصوات والبيانات إلى السلم وأي سلم؛ سلم الخزي والعار وما يسمى التسليم دون قيد أو شرط وهو ما ينادي به أعداء الله ولا يرضون بغيره ولقد كانت تلك الأصوات أول ما ظهرت على استحياء ثم تعالت أكثر ووضحت لهجتها أصرح وأوضح، الأمر الذي يخشى معه أن يكون هذا تيارا جديدًا يهدف إلى الالتفاف على تيار الجهاد وعزله وأهله بعد أن فرحت به الأمة وتطلعت الى ثمراته المباركة.

وواضح أن في هذا الاتجاه الملامح والسمات التالية:

1)محاولة طرحه في الساحة بديلا عن الجهاد ومحاولة عزل الجهاد والمجاهدين، وتسميتهم باسم"الجهاديين"، وهذه محاولة لعزل الجهاد وتطويقه وحبس أهله في حزب مستقل كغيره من الأحزاب، وكأنهم لا ينطلقون من أدلة الكتاب ونصوص السنة بل نواميس السنن الكونية كسنة المدافعة والمداولة، ويراد منها سحب البساط من تحت أهله واستقطاب جمهور الشباب والمحبين للخير لهذا التيار الجديد الذي طرح في الساحة بديلًا ودعي إليه بكل قوة.

2)ومن سمات هذا الاتجاه وملامحه، عدم النزوع إلى الدليل الشرعي في اتخاذ المواقف وأكثر ما يعتمده وينطلق منه المصلحة والعقل ومسايرة العصرنة.

3)تمييع المواقف في القضايا الكبرى والصغرى على حد سواء ومن ذلك النظرة إلى الجهاد كما تقدم ومسألة الولاء والبراء مع الكافرين ومع المبتدع والموقف من الرافضة ومسائل الهجر والتعايش والرد على المبتدع وهكذا سر حتى تصل إلى الأحكام الشرعية التي تلوعب بها لغير ضرورة ولا حتى حاجة واضحة كالاستهانة بالصور والموقف من البنوك الربوية وغيرها وكل هذا بحجة التيسير و التسهيل وهو في الحقيقة التضييع والتمييع.

4)ويتصل بهذا غياب النبرة الغيورة الغاضبة لله في خطاب بعض رموز هذا التوجه وهدأة الحدة على أصحاب المنكرات العامة والخاصة وضعف الحماس في متابعة أهلها والدعوة إلى الاحتساب عليهم كما كان من قبل، ونحن لا نحكم إلا على ظاهر الأمر، وما شهدنا إلا بما علمنا، وقد نفع الله بجهود هؤلاء في زمان مضى طويل وجندوا شباب الأمة وألهبوا حماسهم وغيرتهم إلى تغيير كثير من المنكرات والمطالبة بإزالتها فأين هذا؟

5)التناقض الواضح بين النظرية والتطبيق في طرح هذا التيار؛ فنظريًا يدعون إلى الجهاد ويؤكدون وعمليًا يستحيل قيامه بما فرضوا من شروط عامة غامضة يستحيل معها قيام جهاد حتى ولو جهاد الدفع والضرورة ورد الصائل وإذا ووجهوا بالأدلة ردوا بالمصلحة والعقل وربما تعللوا ببعض أخطاء المجاهدين وتذرعوا ببعض النكسات التي حصلت متناسين الانجازات الجيدة والقوية لكثير من الحركات الجهادية في الشيشان وأفغانستان أيام حرب الروس وفي فلسطين نفسها بل وهدي الرسول صلى الله عليه وسلم وأمر ربنا سبحانه بعد كل نكسة وقرح يصاب به المسلمون يأتي التأكيد على الجهاد؛ {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين} ، {الذين استجابوا لله والرسول من بعدما أصابهم القرح} ، ونظريًا يدعون الى وحدة الكلمة ورص الصف، وعمليًا يفاجؤنا أصحاب هذا التوجه بطرح قنبلة خلاف كل حين بما يطرحونه من بيانات غريبة يظل شباب الأمة وغيرهم يقتتلون عليها زمانا ولا يكاد يندمل الجرح حتى يطرحوا قنبلة أخرى ... وهكذا مع أن طرحهم جديد ونشاز وطارئ على فكر الناس وما درجوا عليه من نزوع إلى الدليل وتمسك بالفطرة الصحيحة.

6)والحق أن هذا الاتجاه الذي يراد فرضه غريب كله في مبدئه وأساسه ومنطلقه وتحديد أولويات دعوته والحماس لأمر التوحيد والسنة والدليل، فهو في الحقيقة تجديد غير حميد لدعوة التوحيد التي قام بها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.

ولقد كنا نتحاشى توضيح هذه الأمور مراعين ضرورة الوحدة واجتماع الكلمة وصفاء القلوب إلى أن رأينا أنه لابد من البيان والتوضيح وإبراء الذمة.

وبعد:

هذا فإني أشارك الأخ الكريم الشيخ محمد بن سالم الدوسري في ما ذهب إليه وسطره في هذه الرسالة داعيا له بكل خير سائلًا الله لنا وله الثبات والهدى، وأؤكد على ما ذكره الشيخ من أننا إذا بينا الخطأ فإننا لا نتهم النيات والمقاصد ولا نجرح الأفراد والأشخاص، وما الهدف إلا التناصح والتواصي بالحق والصبر عليه ونعترف لكثير من إخواننا هؤلاء بكثير من الفضل والسبق للخير، ونسأل الله لنا ولهم البصيرة في الدين والتوفيق إلى الهدى، ولا نرضى بأن تنطلق الألسن بتجريح أحد منهم في شخصه والتنقص منه، ونتمنى صلاح الأمور واتحاد الكلمة وجمع الشمل على كلمة التوحيد لمواجهة عدو لا يفرق ولا يرحم.

وأود هنا أن أنبه على مسألة جاء ذكرها في البيان والمناقشين له، وهي أنهم أتعبوا أنفسهم في محاولة إثبات تحريف أصحاب البيان لكلمة العز بن عبد السلام والجمع بينها وبين النصوص الشرعية ... الخ.

وأرى أن هذا اتعاب للنفس على غير طائل، فكلام البشر كلهم يستدل له ولا يستدل به وما منا إلا راد أو مردود عليه إلا المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكلام العز بن عبد السلام في نظري غير مسلم ويناقش، وهناك مصالح للجهاد غير مسألة النكاية في العدو وهي معروفة ومذكورة في موضعها، ولا أريد أن أطيل بتتبع الشبه والرد عليها في أمر الجهاد والعز رحمه الله خالف مسائل مهمة في العقيدة واشتهر خلافه فيها وحمل بقوة وعنف على أصحاب المنهج السلفي الصحيح بخصوصها، كما ذكر ذلك عنه صاحب"الطبقات"وغيره، ومن أخطأ في العقيدة فما سواها أولى، مع مواقفه الفذة في الإنكار والعزة.

والقصد؛ أنه لا يحسن إتعاب النفس في التوفيق بين كلام الخالق وكلام المخلوق مهما بلغ علمًا وقدرًا، إذ الخطأ غير مستحيل على البشر، ومع ذلك فما ذكر الأخوان في محاولة التوفيق وجه حسن.

نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق للخير وللمجاهدين العزة والنصر والتمكين وأن يجعلنا منهم بمنه وكرمه ... أمين.

وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين

كتبه؛ محمد بن أحمد الفراج

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت