الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد:
فقد أطلعت على الرد الذي كتبه الشيخ محمد بن سالم الدوسري وفقه الله تعالى على ما يسمى بـ"بيان الجبهة الداخلية".
فألفيته ردًا قيمًا أوضح فيه الحق وبيّن الأغلاط التي وقعت في هذا البيان والتي تخالف كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما عليه سلف الأمة، وقد ردّ على هذا البيان قبل الشيخ محمد الدوسري بعض أهل العلم وبينوا ما فيه من الغلط.
ومن هذه الأغلاط:
ما وقع من الخطأ في نقل كلام عبد العزيز بن عبد السلام رحمه الله تعالى:
بحيث نُسب إليه ما لم يقله، وبالتالي لا يصح الاستدلال به على ما جاء في البيان، من أن ما قاله عبد العزيز بن عبد السلام: (التولي يوم الزحف مفسدة كبيرة، لكنه واجب إذا علم أنه يقتل من غير نكاية في الكفار لأن التغرير بالنفوس إنما جاز لما فيه من مصلحة إعزاز الدين بالنكاية في المشركين فإذا لم تحصل النكاية وجب الإنهزام لما في الثبوت من فوات النفوس مع شفاء صدور الكفار وإرغام أهل الإسلام وقد صار الثبوت ههنا مفسدة محضة ليس في طيها مصلحة) اهـ.
فقوله (يجب ... ) : فيه نظر لما أخرجه أحمد (21355) والترمذي (2568) ، وقال: (هذا حديث صحيح) ، وصححه ابن حبان (3349) ، و (3350) ، و (4771) ، والحاكم (1/ 416 - 417) وقال: صحيح على شرط الشيخين، و2/ 113 وصحح إسناده كله من طريق ربعي بن حراش عن زيد بن طبيان يرفعه إلى أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله فأما الذين يحبهم الله ... ورجل كان في سرية فلقي العدو فهزموا وأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له ... ) .
فقوله عليه الصلاة والسلام: (فهزموا وأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له) ، يخالف ما قاله ابن عبد السلام، ولذلك بوّب ابن حبان على هذا الحديث (11/ 91) : (ذكر البيان بأن الثبات في الحرب عند انهزام المسلمين مما يحبه الله) . اهـ
وقد كان بعض السلف يثبت لوحده للعدو أو يهجم عليهم بمفرده.
أخرج أبو داود (2512) ، والترمذي (2972) ، وصحح النسائي في الكبرى (10961) ، و (10962) وصححه ابن حبان (4711) كلهم من طريق يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال: (غزونا من المدينة نريد القسطنطينية وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد والروم ملصقوا ظهورهم بحائط المدينة فحمل رجل على العدو فقال الناس: مَهْ مَهْ لا إله إلا الله يُلقي بيديه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام قلنا: هلمّ نقيم في أموالنا ونصلحها فأنزل الله تعالى: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} ، فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد. قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية) .
فتبيّن أن المصلحة في مهاجمة العدو والثبات عند لقاءه حتى لو كان الإنسان لوحده، وأن ترك الجهاد من إلقاء اليد في التهلكة وليعلم أن كلام عبد العزيز بن عبد السلام - فيما يظهر - ليس في قتال الدفع حتى يقال به فيما يجري على المسلمين الآن وإنما قتال الطلب والله أعلم ولذلك أوجب التولي إذا علم الإنسان أنه يقتل من غير نكاية في الكفار.
وأما في قتال الدفع؛ فلو حصل التولي والإنهزام من قبل المسلمين لاستولى الكفار على بلاد المسلمين وقتلوا المسلمين وسبوا النساء والذرية وهدموا المساجد وخربوا العمران وهذه مفاسد عظيمة جدا ويحصل معها شفاء صدور الكفار وإرغام أهل الإسلام - نعوذ بالله من ذلك - وهذا لا يقوله أحد لا عالم ولا غيره فظهر والله أعلم أن كلام عبد العزيز بن عبد السلام هذا في جهاد الطلب لا الدفع فهو غير وارد فيما نحن فيه هذا إذا قيل بصحته مع أن فيه نظر كما تقدم.
وقد تكلم على هذه المسألة أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى بكلام أوضح وأبين فقال: (لا خلاف في أن المسلم الواحد يجوز له أن يهجم على صف الكفار يقاتل وإن علم أنه يقتل، وكما انه يجوز أن يقاتل الكفار حتى يقتل جاز ذلك أيضا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن لو علم انه لا نكاية لهجومه على الكفار كالأعمى يطرح نفسه على الصف أو العاجز فذلك حرام ودخل تحت عموم آية التهلكة وإنما جاز الإقدام إذا علم أنه لا يقتل إلا أن يقتل أو علم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جرأته واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة وحبهم للشهادة في سبيل الله تعالى فتكسر بذلك شوكتهم ... ) اهـ
قلت: ما قاله أبو حامد الغزالي ظاهر، فالأعمى عندما يطرح نفسه على الكفار أو العاجز فلن يفعل شيئا وسوف يقتل، فمثل هذا الفعل لا يجوز بخلاف المقاتل حتى ولو كان وحده فانه يشرع له الهجوم على الكفار، والله اعلم.
وقولهم: (الجهاد ماض إلى قيام الساعة ... على أنه لا بد من استيفاء أسبابه وتحقيق شروطه وأن يتم النظر فيه من قبل أهل العلم ... إلى آخره) :
أقول؛ لا شك أن الجهاد واجب الآن، وهذا لا أعلم فيه خلافًا وفق ما ذكره أهل العلم، ونحن الآن في جهاد الدفع لا جهاد الطلب.
قال أبو زكريا بن النحاس في مشارع الأشواق (1/ 101) : (فإن دخل الكفار بلدة لنا أو أطلوا عليها ونزلوا بابها قاصدين، ولم يدخلوا وهم مثل أهلها أو أقل من مثليهم صار الجهاد حينئذ فرض عين فيخرج العبد بغير إذن السيد والمرأة بغير إذن الزوج إن كان فيها قوة دفاع على أصح الوجهين فيهما وكذلك يخرج الولد بغير إذن الوالدين والمدين بغير إذن صاحب الدين وهذا جميعه مذهب مالك وأيضًا أبي حنيفة، وأحمد بن حنبل) اهـ
قلت: كم بلد من بلاد الإسلام دخلها الكفار وشردوا أهلها وفعلوا بهم الأفاعيل فلا حول ولا قوة إلا بالله، ومع ذلك لا زال البعض يتردد هل توفرت شروط الجهاد أم لا؟!
بل روى أشهب عن مالك رحمه الله تعالى قال: (ويجب على المسلمين فداء أسراهم بما قدروا عليه، كما عليهم أن يقاتلوا حتى يستنقذوهم وإن لم يقدروا على فدائهم إلا بكل ما يملكون فذلك عليهم) اهـ من النوادر والزيادات (3/ 301) .
قلت: وكم وكم من المسلمين من هو أسير فلا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
وقولهم في البيان: (ولذا فان القيام العام لا يحق إلا لمن اجتمعت فيه الأحكام الشرعية المسوغة لذلك من العلم والإمامة في الدين والاجتهاد والقدرة وتعين المصلحة واقتضائها ... ) اهـ
أقول: إذا كان المقصود من هذا أنه لا يقوم بالجهاد إلا من توفرت فيه الشروط المذكورة فهذا فيه نظر، فقد أجاز الصحابة رضي الله عنهم ومن أتى من بعدهم الجهاد مع ولاة الجور ومن يقاتل للدنيا ومن ... ومن ...
ففي كتاب النوادر والزيادات لأبي محمد القيرواني (ت 386) رحمه الله تعالى: (3/ 25) قال في الجهاد مع من لا يرضى من الولاة:(من كتاب ابن سحنون: روى ابن وهب أن جابر بن عبد الله قال:"قاتل أهل الضلالة وعلى الإمام ما حمل وعليك ما حملت".
وقيل لابن عباس:"أغزو مع إمام لا يريد إلا الدنيا؟ قال: قاتل أنت على حظك من الآخرة".
قال نافع:"ولم يكره ابن عمر الغزو معهم وكان يغزي بنيه. وفي حديث آخر: ويبعث بالمال ويدين الغزاة".
وقال الحسن:"اغزو معهم مالم ترهم عهدوا ثم غدروا".
ولم يروا السلف بالغزو مع ولاة الجور بأسا. وقاله أبو أيوب وعبد الرحمن بن يزيد والنخعي ومجاهد والحسن وابن سيرين وطاوس وسالم بن عبد الله وأبو حذيفة وعمارة بن عمير وقاله مالك، وقال في ترك ذلك ضرر، وجرأة لأهل الكفر.
قال ابن حبيب: سمعت أهل العلم يقولون:"لا بأس بالغزو معهم وان لم يضعوا الخمس موضعه، وان لم يوفوا بعهد وان عملوا ما عملوا ولو ترك ذلك لاستبيح حريم المسلمين ولعلا أهل الشرك".
وقال الصحابة حين أدركوا ما أدركوا من الظلم فكلهم قال:"اغز معهم على حظك من الآخرة ولا تفعل ما يفعلون من فساد وخيانة أو غلول".
وقال ابن عمر:"اغز مع ائمة الجور وليس عليك مما احدثوا شيء."
وغزا أبو أيوب الأنصاري مع يزيد بن معاوية بعد أن كان توقف ثم ندم على توقفه) .
ومن الغلط ما جاء في البيان: (وهذه سيرته وسيرة خلفاءه الأربعة وأصحابه جميعًا وسير تابعيهم بإحسان ومن بعدهم كالأئمة الأربعة وكبار أصحابهم فلا ترى فيها ملاحقة للناس بالتكفير ولا اشتغالًا بها مع وجود الكفر والشرك والنفاق في زمانهم بل كانوا يتأولون لمن وقع في شيء من ذلك من أهل الإسلام ما وسعهم التأويل ... ) .
قلت: هذا الكلام غريب، ولو قالوا: من ثبت كفره بالكتاب والسنة فالواجب تكفيره ومن لم يثبت كفره فلا يجوز تكفيره؛ لكان أحسن.
وليعلم أن الإنسان لا يكون مسلمًا إلا بالإيمان بالله تعالى، والكفر بالطاغوت، قال تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} .
وأخرج مسلم (23) من حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله) .
وقال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاوا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده} .
وقولهم: (فلا ترى فيها ملاحقة للناس بالتكفير ولا اشتغالًا بها مع وجود الكفر والشرك والنفاق في زمانهم) .
قلت: هذا غير صحيح فقد حكم الله تعالى بكفر أمم وأفراد من الناس كما هو معلوم، وكذلك رسول الله صلىلله عليه وسلم، وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتغلوا بتكفير وقتال المرتدين، وفي الصحيحين من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستُخلف أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب ... الحديث) .
وقال أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى مبينًا سيرة الخلفاء رضي الله عنهم مع من ترك الزكاة وقاتل على ذلك وإن لم يجحدها بلسانه قال: (والصحابة لم يقولوا هل أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها، هذا لم يعهد عن الصحابة بحال، بل قال الصديق لعمر رضي الله عنه:"والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها"، فجعل المبيح للقتال مجرد المنع لا جحد الوجوب، وقد رُوي أن طوائف منهم كانوا يقرون بالوجوب، ولكن بخلوا بها، ومع هذا فسيرة الخلفاء فيهم سيرة واحدة، وهي قتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم والشهادة على قتلاهم وسموهم جميعًا أهل ردة) . اهـ من المكفرات الواقعة لعبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (ص31) .
وهكذا من أتى من بعدهم من أهل العلم والفضل اشتغلوا بهذا الأمر وبيّنوه للناس فلا تجد كتابًا في التفسير أو الحديث أو الفقه إلا وفيه الحديث عن هذه القضايا بل وأُفردت المؤلفات في بيان ذلك وكل هذا بحمد الله معلوم.
ومما يستغرب ما جاء في البيان: (فكيف بمن يكفّر الأخيار والصالحين والأئمة والعلماء لمجرد المخالفة) :
فهذا الكلام المبالغة فيه واضحة. من هذا الذي يكفر الأئمة والصالحين من أهل العلم والفضل؟!
ومما يستغرب أيضا: (هذا فضلًا عن القول في حل الدماء، فضلًا عن تسويغ الفتك العام) ، وأيضًا: (وليعلم أن تحقيق الأمن من أخص مقاصد المرسلين ... ) إلى آخره.
أقول: لا شك أن من أخص مقاصد المرسلين هو تطبيق شريعة الله والعمل بها ورأس ذلك توحيد الله وإفراده بالعبادة والجهاد لتحقيق ذلك، قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} .
واخرج أحمد وغيره من حديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن حسان بن عطية عن أبي المنيب الجرشي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم) .
وبهذا يتحقق الأمن والأمان في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) .
وفي جامع الترمذي من حديث حنيش الصنعاني عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (يا غلام إني معلمك كلمات: احفظ الله يحفظك ... ) .
فحفظ الله تعالى للعبد يكون بحفظ أوامره.
وبالله التوفيق.
وكتب؛ عبد الله بن عبد الرحمن آل سعد
16/ 2/1424 هـ