بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمدًا عبده ورسوله وإمام المتقين وقدوة المجاهدين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
وبعد:
ففي وقت وقفت فيه جيوش الصليب على مشارف الديار تعد عدتها، وتجمع عسكرها للقضاء على الإسلام وأهله في جزيرة العرب وما حولها؛ بادئة بدار السلام، وعاصمة الإسلام - بغداد - وقت عظمت فيه الفتنة وطار شررها حتى بلغ العواتق في خدورهن، وأبكى الأيامى في بيوتهن.
أقول: في هذا الوقت العصيب خرج علينا ما سمي ببيان"الجبهة الداخلية"ليعظم الفتنة، ويوسع الخرق، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله
وقد تأملته فوجدت فيه من الأخطاء ما لا يسعني السكوت عليه لذا رأيت أن من الواجب المتحتم بيان ما فيه إبراءً للذمة ونصحًا للأمة. سائلا المولى جلت قدرته الإعانة والتوفيق والسداد.
والكلام على هذا البيان وما فيه من المغالطات، والأخطاء يطول جدًا ولكن حسبي أن أقف مع بعض القضايا الخطيرة التي تضمنها.
وقبل البدء أحب أن أبيّن ما يلي:
1)إن كلامي هنا إنما هو عن العبارات والكلمات التي جاءت في البيان دون الدخول في المقاصد والنوايا فهذه أمرها إلى الله علام الغيوب.
2)ليس المقصود من هذا الرد بسط الكلام واستيفاء الأدلة في المسائل التي خالفوا فيها وإنماأكتفي ببيان الخطأ ووجه المخالفة.
3)إن الحق أحب إلينا من كل أحد بل هو - والله - أحب إلينا من أنفسنا، فنحن ندور معه حيث دار ولا نعلقه بالرجال، فهؤلاء القوم الذين أعدوا البيان الأول والثاني وقاموا على الصياغة وجمع التوقيعات عليهما لما كانوا على الجادة - قبل السجن - يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويصدعون بالحق لا يخافون في ذلك لومة لائم كانوا - والله - أحب إلينا من بعض أشقائنا، وكنا نذب عن أعراضهم وندعوا لهم بظهر الغيب ونوصي الأخوة بالدعاء لهم بالثبات والفرج.
أقول هذا؛ حتى لا يظن جاهل أن بيننا وبينهم حسابات قديمة تحتاج إلى تصفية، فالذي يجمعنا بهم هو الحق ولاشيء غيره، والذي يفرقنا هو مخالفة الحق ومجانبة الصواب.
4)يطالب بعض الناس بترك الرد على المخالف والمخطئ بحجة أن ذلك يفرق الكلمة، ويضعف الصف، وهذا خطأ كبير؛ لأن الرد على المخالف والمخطئ ليس حقًا شخصيًا يسع المرء تركه، أو التنازل عنه متى شاء، بل هو حق شرعي وواجب متحتم من باب إنكار المنكر. والذي يقول هذا إنما نظر إلى حق المردود عليه ولم ينظر إلى حق الله، وحقيقة قوله: إن ردك على فلان يغضبه، ونسي أن عدم ردك وإنكارك يغضب الله ويسخطه.
5)إن كون الرجل ذا سابقة في الفضل والخير لا يعني ذلك عصمته من الانحراف والزلل فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
وقال ابن مسعود: (من كان مستنًا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة) .
ولهذا فالواجب أن يعرض ما يأتي به أيُّ أحد كائنًا من كان على الكتاب والسنة فما وافقهما أُخذ به، وما خالفهما رد على صاحبه. ومن يخالف هذه القاعدة فإنه متبع لهواه شاء ذلك أم أبى، وهذا نص القرآن: {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم} ، فما ثمّ أمر ثالث؛ فإما الاستجابة لله ولرسوله، وإما الهوى {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} ، وقال سبحانه: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} فإما الهدى أو الهوى! وقال سبحانه: {يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى} فإما الحق أو الهوى.
6)إن كون الرجل ذا سابقة في الفضل والخير لا يعني هذا أنه لا يحاسب إذا أخطأ وجانب الصواب بحجة أنه قد قدم للإسلام وابتلي فيه، فهذا فهم خاطئ مخالف لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه من بعده، والأدلة على بطلان هذا الفهم كثيرة منها:
1)قال الله سبحانه لنبيه - نوح عليه السلام: {يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين} ، فهذا أول رسل الله عليهم الصلاة والسلام الذي دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، دعاهم سرًا وجهارًا، ليلًا ونهارًا - وهم معرضون عنه مؤذون له - لما سأل ربه ماليس له به علم نهاه الله وحذره من العودة إلى هذا السؤال، ولم تكن تلك المقامات العظيمة مانعًا من توجيهه وإرشاده إلى الصواب.
قال القرطبي رحمه الله: (قوله تعالى: {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} ؛ أي أنهاك عن هذا السؤال وأحذرك لئلا تكون أو كراهية أن تكون من الجاهلين، أي الآثمين ... قال ابن العربي: وهذه زيادة من الله وموعظة يرفع بها نوحًا عن مقام الجاهلين ويعليه بها إلى مقام العلماء العارفين) .
2)ما قصه الله عن نبيه يونس أنه ذهب مغاضبًا - سواء قيل مغاضبًا لقومه أو لربه - فقد ذكر الله عنه أنه {مُليم} أي فعل ما يلام عليه، وقال مجاهد وابن زيد؛ أي مذنب.
ونهى الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يكون مثله فيما فعل من المغاضبة، فقال سبحانه: {ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم} ، فهذا نبي من أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لما أخطأ بيّن الله خطأه في القرآن وحذر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يكون مثله فيما أخطأ فيه وهل هناك سابقة أعظم من سابقة النبوة؟! ومع ذلك لم تكن مانعًا من بيان الخطأ والتحذير منه.
3)ما ذكره الله عن أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد وهم من هم في السابقة والدعوة والابتلاء والإيذاء، لما أخطأوا وخالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم عاتبهم الله وذكر ذنبهم في القرآن، يقول جل في علاه: {حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ... الآية} ، وقال: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا} ، ولم تكن سابقتهم بالهجرة والنصرة والجهاد مانعًا من ذلك.
والأدلة في هذا الباب كثيرة جدًا يصعب حصرها.
وإنما ذكرت هذا لما بلينا به في زماننا من بعض المقلدة، والمتعصبين الذين لا يرضون أن تقول عن شيوخهم أخطأوا، وإذا أتيت لهم بالأدلة على خطأ شيوخهم قالوا لك: وهل ننسى سابقتهم في الدعوة والابتلاء؟ ألم يؤذوا؟ ألم يسجنوا؟! وكأن السجن والإيذاء مانعان من الزلل والانحراف أو مانعان من بيان أخطائهم وأغلاطهم!
7)أعلم أن بعض من وقعوا على البيان إنما وقعوا لحسن ظنهم بمعدي البيان، ولكن هذا لا يعفيهم من تحمل تبعاته وما فيه من أغلاط حتى ينكروا ذلك علانية ويتبرءوا منه.