وبالقتل ينجو الناس من آفة القتل ... جاء في البيان في كلامهم عن الجهاد: (على أنه لابدّ من استيفاء أسبابه، وتحقيق شروطه) :
ولا أدري ما هي الأسباب التي يعنيها المشايخ، وأي سبب يوجب الجهاد أعظم من دخول هذا العدو الصليبي الحاقد ديار المسلمين واستحلاله الدم والحرمة والدين؟!
أما الشروط؛ فليس في جهاد الدفع شروط، بل الواجب على كل أحد من المسلمين أن يدفع عن نفسه ودينه وعرضه ما استطاع دون قيد أو شرط حتى يندفع شر الأعداء وهذا بإجماع علماء الإسلام.
قال الجصاص: (ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو ولم تكن فيهم مقاومة لهم فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن المسلمين، وهذا لا خلاف فيه بين الأمة إذ ليس من قول أحد من المسلمين إباحة القعود عنهم حتى يستبيحوا دماء المسلمين وسبي ذراريهم) [1] .
وقال القرطبي: (قد تكون حالة يجب فيها نفير الكل ... وذلك إذا تعيّن الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار أو بحلوله بالعقر فإذا كان ذلك؛ وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا أو يخرجوا إليه خفافًا وثقالًا، شبابًا وشيوخًا، كل على قدر طاقته ومن كان له أب بغير إذنه، ومن لا أب له ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثّر فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم، وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضًا الخروج إليهم فالمسلمون كلهم يد على من سواهم حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل العدو إليها واحتل بها سقط الفرض عن الآخرين. ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضًا الخروج إليه حتى يظهر دين الله وتحمى البيضة، وتحفظ الحوزة ويخزى العدو ولا خلاف في هذا) [2] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعًا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر، وبين طلبه في بلاده) [3] .
وهذا أمر معلوم مشهور عند من له أدنى علم بمسائل الجهاد، ولكن المشايخ الكرام لم يفرقوا بين جهاد الدفع وجهاد الطلب. وإذا كان الجهاد اليوم لم يستوف أسبابه وشروطه فلن يستوفي تلك الأسباب والشروط أبد الدهر.
ثم جاء في البيان: (وأن يتم النظر فيه من قبل أهل الرسوخ في العلم) :
فهل لي أن أسأل: من هم أهل الرسوخ في العلم؟ فإن كانوا يريدون بالراسخين في العلم أنفسهم فليس من شأن الراسخين في العلم تزكية أنفسهم والثناء عليها.
ثم إن كانوا يعنون بذلك أنفسهم فهل يليق بالراسخ في العلم أن يبتر ويحرف ويتلاعب بنصوص العلماء لتوافق مراده ومشتهاه كما فعلوا بكلام العز بن عبد السلام؟!! وكيف يثق بهم الناس بعد ذلك؟!
وإن كانوا يريدون بالراسخين في العلم غيرهم: فما هو ضابط الرسوخ في العلم؟! هل هو الشهادة الشرعية؟ أم الشهادة الأكاديمية؟! أم المناصب الرسمية؟! وهل هؤلاء الراسخون في العلم في بلد واحد؟ أم متفرقون؟
فلا بد من بيان ذلك حتى لا يحال الناس على مجهول!!!
ثم هاهنا سؤال: هل حينما أفتى علماء أفغانستان - بالإجماع - بوجوب الجهاد ضد الصليبيين - قبل الحملة الصليبية على بلادهم - تكون فتواهم معتبرة أم هم ليسوا من الراسخين في العلم؟
وهل تعتبرون فتوى بعضكم بمنع الجهاد هناك واعتبار أرضهم محرقة للشباب افتياتًا على أهل العلم منهم؟! أم لهم ديارهم ولكم دياركم؟!
ومما يحسن إيراده هنا كلام شيخ الإسلام فيمن يُعتبر قوله في الجهاد فقد قال رحمه الله: (والواجب أن يعتبر في أمور الجهاد برأي أهل الدين الصحيح في الباطن الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا، فأما أهل الدنيا الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين فلا يؤخذ برأيهم، ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا) [4] أهـ.
قالوا: (بعيدًا عن الاجتهادات الخاصة التي قد تمهّد للعدو عدوانه، وتعطيه الذريعة لتحقيق مآربه) :
قلت: أما الذريعة فالعدو ليس بحاجة إلى من يعطيه إياها، فأي ذريعة فعلها العراق حتى يفعل به ما فعل من التدمير؟!
وما الفرق بينه وبين كوريا الشمالية؟! فالعراق ينفي وجود أسلحة الدمار الشامل وتهاجمه أمريكا، وكوريا الشمالية تعترف بوجود تلك الأسلحة وتهدد أمريكا، فأي الفريقين كان له الأمن لو كنتم تعلمون؟!
يا أيها المشايخ الفضلاء إن هؤلاء القوم لا ينفع معهم إلا الحديد والنار!!
بسفك الدما يا جارتي تحقن الدما
وجاء في البيان: (والتأكيد على أن من أكبر الكبائر على الأفراد والحكومات التعاون مع الحكومة الأمريكية في عدوانها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة) :
عجبًا لكم أيها المشايخ الفضلاء، أصبح التعاون مع النصارى والصليبيين في عدوانهم على المسلمين"من"أكبر الكبائر؟! واأسفى على"القواعد الأربع"، و"الثلاثة الأصول"!!
لو قلتم أكبر الكبائر"دون من"لوجدنا لها مخرجًا وإن كانت تلبيسًا في كلتا الحالتين. فأنتم لا تخاطبون العلماء وطلاب العلم فحسب حتى تقولون نحيلهم على حديث: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ... وذكر الإشراك بالله ... الحديث) ، بل تخاطبون جميع الأمة بما فيها النساء وكبار السن والعوام والمثقفون الذين لا يعرفون النصوص الشرعية! فهل هذا من النصيحة للأمة كما زعمتم في أول البيان؟
فالواجب الإيضاح والبيان والتنفير من الذنوب العظيمة بذكرها واضحة جلية بأسمائها الشرعية - كالكفر، والشرك، والردة - قال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} .
ثم ما الذي يمنعكم من ذكر الكفر والردة ولو بالعموم دون تعيين إن كنتم تخافون من تكفير المعين؟! فتقولون: إن من الكفر الأكبر أو الردة التعاون مع الحكومة الأمريكية ... الخ.
يا أيها المشايخ الكرام أين ما كنتم تَدرسون وتُدرسون من نواقض الإسلام العشرة؟ أين الناقض الثامن:"مظاهرة المشركين، ومناصرتهم على المسلمين"؟!
وجاء في بيان الجبهة" (مع التمسك بالكتاب وهدي الرسول صلى الله عليه وسلم وموالاة المؤمنين والبراءة من الكفر ومجانبة سنن الكفار) :"
إن من العلامات البارزة في بيان الجبهة الداخلية الهروب من الأسماء والمصطلحات الشرعية، فلا أدري لماذا لم يقولوا البراءة من الكفر وأهله؟ وأي غضاضة عليهم في ذلك؟ فهذا نص القرآن {إنا برءاوا منكم ومما تعبدون من دون الله} ، فتبرأوا من العابدين قبل المعبودين، وهذه هي ملة إبراهيم التي من رغب عنها فقد سفه نفسه.
فقولهم: (ومجانبة سنن الكفار) ؛ لا يلزم منه البراءة منهم، فقد يكون الإنسان مجانبًا سنن الكفار تاركا لشعائرهم ومع ذلك يتولاهم ويحبهم وينصرهم على المسلمين فلم يحقق البراءة منهم.
وجاء فيه أيضًا: (وتجنب الافتيات على خاصة الأمة وعامتها) :
أتدري من هم خاصة الأمة عند المشايخ الفضلاء؟
جواب ذلك من كلامهم في البيان نفسه حيث قالوا: (وفي ختم هذه الرسالة نذكر الأمة ولا سيما خاصتها بتحكيم الشريعة والإعداد بالعلم والعمل والقوة) .
عجيب أمركم أيها المشايخ الكرام ... أصبح الحكام من البعثيين والعلمانيين وغيرهم من خاصة الأمة الذين يجب على المجاهدين استئذانهم في الجهاد؟! وأصبح إخوانكم من أهل العلم وطلابه الصادعون بالحق هم أهل الافتيات، والتكفير، والفتنة، والعجلة!!
ثم ما هو ضابط عامة الأمة؟ وهل يدخل في عامتها جميع المسلمين في الشرق والغرب؟ بمعنى أنه إذا أراد المجاهدون القيام بأي عمل جهادي فهل يلزمهم إخبار المسلمين في أدغال أفريقيا وأطراف الصين واستئذانهم حتى يتجنبوا الإفتيات عليهم؟ أم ماذا؟
فأنتم تحيلون على أمر محال، يلزم من تطبيقه تعطيل الجهاد!
وجاء في البيان أيضًا: (وقد ذكر العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام [95] :"أن أي قتال للكفار لا يتحقق به نكاية بالعدو فإنه يجب تركه لأن المخاطرة بالنفوس إنما جازت لما فيه من مصلحة إعزاز الدين، والنكاية بالمشركين، فإذا لم يحصل ذلك وجب ترك القتال لما فيه من فوات النفوس وشفاء صدور الكفار، وإرغام أهل الإسلام، وبذا صار مفسدة محضة ليس في طيها مصلحة"... ) :
هكذا ذكروا كلام العز بن عبد السلام وجعلوه بين علامتي تنصيص؛ أي هذا نصه، وسوف أنقل كلام العز بن عبد السلام من قواعد الأحكام لتعرف كيف يتعامل"معدوا البيان"مع نصوص أهل العلم، وكيف قولوا العز بن عبد السلام ما لم يقل، وتصرفوا في كلامه وحرفوا نصه، وحملوه على ما يشتهون.
قال العز بن عبد السلام في"قواعد الأحكام" [ص95] : (المثال الأربعون: التولي يوم الزحف مفسدة كبيرة، لكنه واجب إذا علم أنه يقتل في غير نكاية في الكفار، لأن التغرير بالنفوس إنما جاز لما فيه من مصلحة إعزاز الدين بالنكاية في المشركين فإذا لم تحصل النكاية وجب الانهزام لما في الثبوت من فوات النفوس مع شفاء صدور الكفار وإرغام أهل الإسلام وقد صار الثبوت ههنا مفسدة محضة ليس في طيها مصلحة) .
فكلام العز هنا فضلا ًعن كونه مخالف للنصوص فهو عن مسألة التولي يوم الزحف، وهي مسألة أخص من مطلق القتال، وليس هذا موضع بسطها، ولكن قارن أيها المنصف - رعاك الله - بين ما قاله العز حقيقة وبين ما نقلوه عنه ... وماذا يسمى من فعل ذلك عند أهل العلم؟
ومما جاء في البيان أيضًا: (فإن التكفير مزلق خطير) :
لا والله، بل التكفير حكم شرعي جاء به كتاب الله وبيّنه نبينا صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ... الآية} ، وقال تعالى: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ... الآية)، وقال تعالى: إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبيّن لهم الهدى الشيطان سوّل لهم ... الآية} .
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب (أصل دين الإسلام وقاعدته أمران. الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والتحريض على ذلك، والموالاة فيه، وتكفير من تركه. الثاني: النهي عن الشرك في عبادة الله، والتغليظ في ذلك، والمعاداة فيه، وتكفير من فعله) .
وقال - أيضا - رحمه الله: (فأما صفة الكفر بالطاغوت: فأن تعتقد بطلان عبادة غير الله، وتتركها، وتبغضها، وتكفر أهلها وتعاديهم) [5] .
وهل علمتم يا معشر المشايخ أن الله سبحانه وتعالى قد كفّر في كتابه أقوامًا وأممًا؟
قال تعالى: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} ، وقال تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} ، وقال تعالى: {قل يا أيها الكافرون} ، وقال تعالى: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} ففي هذه الآية الأخيرة كفّر الله قومًا خرجوا مجاهدين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمات قالوها على وجه المزح واللعب، وقد رجّح شيخ الإسلام ابن تيمية أنهم مؤمنون ولكن معهم إيمان ضعيف [6] .
فالتكفير حكم شرعي، فكيف يقال عما شرعه الله إنه مزلق خطير؟!
فإن قلتم: نريد الغلو في التكفير، فعليكم تصحيح العبارة لأن ظاهرها هو المزلق الخطير.
وجاء في البيان: (فكيف بمن يكفر الأخيار والصالحين والأئمة والعلماء لمجرد المخالفة) :
أولا: اذكروا لنا واحدًا فقط ممن ينتسب للعلم يؤثر عنه أنه يكفر غيره من العوام - دعك من الأخيار والصالحين والأئمة والعلماء - لمجرد المخالفة كحلق اللحية، وشرب الدخان والإسبال - مثلًا - فإذا لم تستطيعوا ولن تستطيعوا فلماذا هذه المبالغة والتهويل؟
إلا إن كنتم ترون أن مقولة: (الله والشيطان وجهان لعملة واحدة) مجرد مخالفة؟!! أو أن قائلها من الأخيار والصالحين والأئمة والعلماء؟!!
ثانيا: أن هذه الدعوى مشابهة لدعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن - في رده على زعم العراقي"داود بن جرجيس"أن علماء الدعوة النجدية يكفرون أهل الحرمين: (في هذه الكلمات اليسيرة من الكذب والظلم والقول بلا علم ما يطول استيفاء الكلام عليه، ومن خلع جلباب الحياء، وتكلم في المباحث الدينية بمجرد الجهل والهوى، فقد استحكم عليه الشقا، وحلت قريبًا من داره قوارع المحن والبلوى. ليس في كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ولا في كلام من يعتد به ويعول عليه من أهل العلم والدين حكم على عامة أهل الحرمين بالكفر والشرك، بل ولا بالفسوق ... وأن هذا العراقي وأمثاله يفترون مثل هذه العبارات بقصد تنفير الناس عن هذا الشيخ، والصد عن سبيل الله) [7] اهـ
وجاء أيضًا في بيانهم: (وفي المتفق عليه - أيضًا - عن أبي سعيد الخدري في قصة الذي قال؛ اعدل يا محمد ... فقال عمر: ائذن لي فأضرب عنقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم؛"لعله أن يكون يصلي"، وهذه سيرته صلى الله عليه وسلم وسيرة خلفائه الأربعة، وأصحابه جميعًا، وسيرة تابعيهم بإحسان، ومن بعدهم كالأئمة الأربعة وكبار أصحابهم، فلا ترى فيها ملاحقة للناس بالتكفير، ولا اشتغالًا بها، مع وجود الكفر والشرك والنفاق في زمانهم، بل كانوا يتأولون لمن وقع في شيء من ذلك من أهل الإسلام ما وسعهم التأويل، {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} ... ) .
أولا: الذي قال له صلى الله عليه وسلم: (لعله أن يكون يصلي) ، ليس عمر بل خالد بن الوليد!
ثانيا: من وقع منه الكفر الصراح فلا مانع من تكفيره، والمكفِّر له مثاب مأجور ولو اخطأ إذا كان دافعه الغيرة على الدين والحمية له.
قال ابن القيّم رحمه الله في"زاد المعاد" (3/ 423) في الفوائد المستنبطه من فتح مكة: (وفيها: أن الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق والكفر متأولًا، وغضبًا لله ورسوله ودينه لا لهواه وحظه، فإنه لا يكفر بذلك، بل لا يأثم به، بل يثاب على نيته وقصده، وهذا بخلاف أهل الأهواء والبدع، فإنهم يكفرون ويبدعون لمخالفة أهوائهم ونحلهم، وهم أولى بذلك ممن كفروه وبدّعوه) اهـ
ثالثا: كان الواجب على معدي البيان أن يجمعوا روايات حديث أبي سعيد ولا يختاروا منها ما يوافق مرادهم، ويتركوا غيرها من الروايات التي توضح المراد، لأن اختيارهم هذه الرواية دون سواها يلزم منه أحد أمرين:
إما أن قول الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: (اعدل يا محمد) ، ليس بكفر، وهذه زلة عظيمة، وهفوة كبيرة، وأي طعن أعظم من الطعن في أمانته، وعدله، واتهامه بالظلم والجور عليه الصلاة والسلام؟! وإذا كان مجرد رفع الصوت والجهر بالقول يحبط العمل فكيف بهذا؟!
قال ابن حزم رحمه الله: (فقد علمنا أن قوله الذي قال للرسول صلى الله عليه وسلم؛"اعدل يا محمد"، كان ردة صريحة لأنه لم يوقره ولم يعظمه كما أمر ورفع صوته عليه فحبط عمله) [8] .
قال ابن تيمية بعد أن ساق حديث أبي سعيد بروايته وغيرها من الأحاديث التي فيها طعن بالنبي صلى الله عليه وسلم: (فهذا الباب كله مما يوجب القتل، ويكون به الرجل كافرًا منافقًا حلال الدم) [9] .
فإن قلتم بهذا، وإلا فيلزمكم الأمر الثاني، وهو؛ أن الصلاة مانعة من تكفير من وقع في الكفر والشرك، وهذه زلة أخرى لم يقل بها أحد من أهل العلم.
قال أبناء الشيخ محمد، وحمد بن ناصر: (وكذلك بنو حنيفة الذين قاتلهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون لا إله إلا الله، ويؤذنون ويصلون وهم كفار بالإجماع وقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يغزو بني المصطلق لما قيل له إنهم منعوا الزكاة، وهم يقولون لا إله إلا الله ويؤذنون، ويصلون، وكذلك الصديق رضي الله عنه قاتل مانعي الزكاة، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله ويؤذنون ويصلون) [10] .
فهذان هما الأمران الباطلان اللذان يلزمكم القول بأحدهما حينما أهملتم بقية روايات الحديث.
أما الجواب الصحيح عن ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتل هذا الرجل وغيره من المنافقين مع إظهارهم ما هو كفر وردة؛ فهو لأجل أن الحق له عليه الصلاة والسلام، فله أن يعفو وله أن يأمر بالقتل بحسب ما يراه من المصلحة، وقد رأى صلى الله عليه وسلم أن من المصلحة عدم قتل هؤلاء لأسباب سيأتي بيانها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ومعلوم أن النيل منه أعظم من انتهاك المحارم لكن لما دخل فيها حقه كان الأمر إليه في العفو أو الانتقام، فكان يختار العفو وربما أمر بالقتل إذا رأى المصلحة في ذلك) [11] .
وقال أيضا رحمه الله: (ومثل هذا الكلام - أي قول الرجل:"اعدل، اتق الله"- لا ريب أنه يوجب القتل لو قاله اليوم أحد، وإنما لم يقتله صلى الله عليه وسلم لأنه كان يظهر الإسلام وهو الصلاة التي يقاتل الناس حتى يفعلوها وإنما كان نفاقه بما يخص النبي صلى الله عليه وسلم من الأذى وكان له أن يعفو عنهم تأليفا لقلوبهم لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه) .
وقال القاضي عياض: ( ... استأذن عمر وخالد النبي صلى الله عليه وسلم في قتله فقال معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، فهذه هي العلة، وسلك معه مسلكه مع غيره من المنافقين الذين آذوه وسمع منهم في غير موطن ما كرهه لكنه صبر استبقاءًا لانقيادهم، وتأليفًا لغيرهم لئلًا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه فينفروا) [12] .
وقال القرطبي: (إنما منع قتله وإن كان قد استوجب القتل لئلا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه ولا سيما من صلى) [13] .
ومن الروايات التي أغفلها معدو البيان لهذا الحديث:
ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري قال: (بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: ويحك من يعدل إذا لم أعدل؟ فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه، قال:"دعه فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم ليمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية") [14] .
قال ابن تيمية رحمه الله عن هذا الحديث: (فأمر بتركه لأجل أن له أصحابًا خارجين بعد ذلك، فظهر أن علمه بأنهم لا بد أن يخرجوا منعه من أن يقتل منهم أحدًا فيتحدث الناس بأن محمدًا يقتل أصحابه الذين يصلون معه، وتنفر بذلك قلوبٌ كثيرة من غير مصلحة تغمر هذه المفسدة، وهذا مع أنه كان له أن يعفو عمن آذاه مطلقًا بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، وبهذا يتبين سبب كونه في بعض الحديث يعلل بأنه يصلي، وفي بعضه بأن لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، وفي بعضه بأن له أصحابًا سيخرجون) [15] .
وفي حديث جابر عند مسلم في كتاب الزكاة، باب؛ ذكر الخوارج وصفاتهم، أن عمر رضي الله عنه قال: (دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ... الحديث) .
وهذه الرواية وإن كانت في قصة أخرى كما رجح ذلك ابن حجر في"الفتح"، إلا أنها إذا ضمت إلى غيرها من الروايات تبين السبب في عدم قتله لمن طعن في عدالته واتهمه بالظلم والجور.
رابعا: إن هذا الحديث - أعني حديث أبي سعيد الخدري الذي تحتجون به على عدم التكفير - إنما هو حجة عليكم لأن عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد رضي الله عنهما قد كفًّرا هذا الرجل الذي طعن في النبي صلى الله عليه وسلم، فقولهما:"دعني أضرب عنقه"، تكفير ٌوزيادة، لأنهما رتبا العقوبة وهي القتل على الحكم وهو الكفر، ومع ذلك لم ينكر عليهما عليه الصلاة والسلام بل بيّن لهما السبب في عفوه عنه وهو خشية أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه.
ولو كانا مخطئين رضي الله عنهما لما جاز له أن يسكت عليه الصلاة والسلام، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
قال ابن تيمية: (وقد كان أصحابه إذا رأوا من يؤذيه أرادوا قتله، لعلمهم بأنه يستحق القتل فيعفو هو عنه صلى الله عليه وسلم ويبين لهم أن عفوه أصلح مع إقراره لهم على جواز قتله ولو قتله قاتل قبل عفو النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرض له النبي صلى الله عليه وسلم ولعلمه بأنه قد انتصر لله ورسوله بل ويحمده على ذلك ويثني عليه) [16] .
خامسا: إن هذا الحديث - أيضًا - فيه رد على قولكم إن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يلاحقون الناس بالتكفير ولا يشتغلون بذلك! فماذا تسمون فعل عمر وخالد رضي الله عنهما؟ وهل هما متعجلان؟ أم إنهما لا يعرفان أن التكفير مزلق خطير؟
ومما جاء في بيان الجبهة: (وهذه سيرته صلى الله عليه وسلم وسيرة خلفائه الأربعة، وأصحابه جميعًا، وسيرة تابعيهم بإحسان، ومن بعدهم كالأئمة الأربعة وكبار أصحابهم، فلا ترى فيها ملاحقة للناس بالتكفير، ولا اشتغالًا بها، مع وجود الكفر والشرك، والنفاق في زمانهم بل كانوا يتأولون لمن وقع في شيء من ذلك من أهل الإسلام ما وسعهم، {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} ... ) .
يبدو أن المشايخ الفضلاء عندهم حساسية من التكفير حتى أصبحوا يتوهمون أن القضية من شدتها أصبحت مطاردة، وملاحقة للناس في شوارعهم، ومساكنهم، وأعمالهم، فأرادوا أن يوقفوا تلك المطاردة والملاحقة؛ فنسبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، والتابعين، ومن بعدهم من أئمة الدين ما هم منه براء بأنهم لم يكونوا يكفرون الناس ولا يشتغلون بذلك، فنقول لهم:
-من الذي كفر عبد الله بن أبي السرح وأهدر دمه، ولو وُجد متعلقًا بأستار الكعبة؟!!
-ومن الذي كفر ابن خطل وأهدر دمه وقُتل وهو متعلق بأستار الكعبة؟
-ومن الذي أعطى حذيفة أسماء المنافقين وعينهم بأشخاصهم؟
-ومن الذي عقد الراية لقتل وتخميس مال من تزوج امرأة أبيه؟!
-ومن الذي قال للمستهزئين في غزوة تبوك {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} ، يرددها عليهم؟!
-ومن الذي هم بغزو بني المصطلق لما جاءه الخبر بأنهم منعوا الزكاة؟!
-ومن الذي أقر عمر على قوله للرجل الذي قال:"اعدل يا محمد"؛ بأنه منافق؟
-ومن الذي قال: (من بدل دينه فاقتلوه) ؟! فهل يأمرنا بقتله قبل الحكم عليه بالكفر؟!
وغير ذلك كثير، فهل يقال بعد ذلك أن من هديه ترك التكفير وعدم الاشتغال به؟ وكيف يتميز أهل الإسلام من أهل الكفر؟ وكيف تحدد معالم الولاء والبراء؟