هذه هديه صلى الله عليه وسلم. أما هدي أصحابه وتابعيهم من بعدهم، فأكتفي بما ذكره الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله حيث قال: (والحكم على المشرك الشرك الأكبر بالكفر مشهور عند الأمة لا يكابر فيه إلا جاهل لا يدري ما الناس فيه من أمر دينهم، وما جاءت به الرسل ... ) ، ثم قال: (فقد كفر الصحابة رضي الله عنهم من كفروه من أهل الردة على اختلافهم، وكفر عليٌّ الغلاة، وكفر من بعدهم من العلماء القدريةَ ونحوهم كتكفيرهم الجهمية وقتلهم لجعد بن درهم، وجهم بن صفوان، ومن على رأيهم، وقتلهم للزنادقة. وهكذا في كل قرن وعصر من أهل العلم والفقه والحديث طائفة قائمة تكفّر من كفَّره الله ورسوله وقام الدليل على كفره لا يتحاشون عن ذلك، بل يرونه - أي التكفير - من واجبات الدين، وقواعد الإسلام، وفي الحديث؛"من بدل دينه فاقتلوه"، وبعض العلماء يرى أن هذا - أي التكفير - والجهاد عليه ركن لا يتم الإسلام بدونه، وقد سلك سبيلهم الأئمة الأربعة المقلَدون وأتباعهم في كل عصر ومصر، وكفروا طوائف من أهل الإحداث كالقرامطة، والباطنية، وكفروا العبيديين ملوك مصر، وقاتلوهم وهم يبنون المساجد ويصلون ويؤذنون ويدّعون نصر أهل البيت. وصنف ابن الجوزي كتابًا سماه"النصر على مصر"ذكر فيه وجوب قتالهم، وردتهم، وأن دارهم دار حرب، وقد عقد الفقهاء في كل كتاب من كتب الفقه المصنفة على مذاهبهم بابًا مستقلًا في حكم أهل الأحداث التي توجب الردة، وسماه أكثرهم"باب الردة"، وعرّفوا المرتد بأنه الذي يكفر بعد إسلامه وذكروا أشياء دون ما نحن فيه من المكفرات حكموا فيه بكفر فاعلها وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فما المانع من تكفير من أشرك بالله وعدل به سواه واتخذ معه الآلهة والأنداد، وإنما يهمل هذا من لم يؤمن بالله ورسوله، ولم يعظم أمره، ومن لم يسلك صراطه، ولم يقدر الله ورسوله حق قدره، بل ولا قدر علماء الأمة وأئمتها حق قدرهم) [17] .
فأين إجماعكم المزعوم أن هذه سيرته وسيرة خلفائه الأربعة وأصحابه جميعًا وسير تابعيهم بإحسان ومن بعدهم كالأئمة الأربعة وكبار أصحابهم؟!
تنبيه: جاء في البيان: (وليعلم أن الأمن من أخص مقاصد المرسلين) :
ولا شك أن الأمن من مقاصد المرسلين، ولكن يحسن التذكير بأن أعظم مقاصد المرسلين وأخصها تحقيق التوحيد وتعبيد الناس لرب العالمين، فكل نبي أول ما يطرق أسماعَ قومه قولُه: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} ، والأمن تبع له، فإذا تحقق التوحيد تحقق الأمن وإذا لم يتحقق التوحيد والإيمان فلا أمن لهم، {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} ، فالأمن يتحقق تبعًا لتحقيق التوحيد لاكما تزعمون أن المجتمع الآمن أولا ثم تنتشر دعوة التوحيد.
ومما يبين هذا أن النبي يأتي إلى قومه وهم في أرغد العيش وأنعمه وآمنة، ثم ما يلبثوا أن يردوا دعوته ويكذبوا رسالته حتى ينقلب أمنهم خوفًا، وغناهم فقرًا، وعزهم ذلًا فالتوحيد هو الذي يوجد المجتمع الآمن المستقر لا العكس، والدليل قوله تعالى: {وضرب الله مثلًا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} ، فوجود القرية الآمنة المطمئنة لا يلزم منه وجود التوحيد فضلا عن انتشاره.
فإذا كنتم حريصين على وجود الأمن في المجتمع فعليكم بتحقيق التوحيد فيه لا تمييعه، وأنا لكم ضامن - بوعد الله - أن تجدوا الأمن والاستقرار.
وفي الختام:
اذكر نفسي أولا والمشايخ الكرام بالقدوم على الحي القيوم في تلك الحفرة المظلمة التي لا أنيس فيها ولا جليس إلا العمل الصالح ومن ثم الوقوف بين يديه جل في علاه في يوم تزيغ فيه الأبصار وتبلغ القلوب الحناجر، حينها يندم العبد ولات ساعة مند، م فإذا تبين لهم أنهم أخطأوا فليبادروا بالتوبة والعودة إلى الله، فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وإلا فليضرعوا إلى الله وينكسروا بين يديه أن يريهم الحق حقا ويرزقهم اتباعه ويريهم الباطل باطلا ويرزقهم اجتنابه، فإن الأمر- والله - جد خطير.
ولا يحملنكم ما تجدونه في خطابي هذا من الشدة في بعض العبارات على رده وعدم قبوله، فالله يعلم أني ما أردت إلا النصح وبيان الحق.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
وكتب؛ محمد بن سالم الدوسري
[1] أحكام القرآن للجصاص: 3/ 114.
[2] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 8/ 97.
[3] الاختيارات: 532.
[4] الاختيارات صفحة 535
[5] الدرر السنية (1/ 109)
[6] انظر مجموع الفتاوى (7/ 273) .
[7] (منهاج التأسيس ص 87)
[8] المحلى 11/ 418
[9] الصارم المسلول ص241
[10] الدرر السنية 10/ 242
[11] الصارم 243
[12] شرح النووي على مسلم 7/ 129
[13] الفتح 7/ 668
[14] متفق عليه
[15] الصارم المسلول ص194
[16] الصارم المسلول ص243.
[17] الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق 162 - 164.