[الكاتب: وائل البتيري]
بين يديَّ كتابٌ للإمام تقيِّ الدين السُّبكي، عنوانه «السيف المسلول على مَن سبَّ الرسول» ، صدر هذا الكتاب لأول مرة عام (2000م) عن دار الفتح للنشر والتوزيع في عمان، بتحقيق الباحث إياد أحمد الغوج.
الناظرُ في هذا الكتاب يلمسُ جهدًا يستحقّ الإشادة، حيث يظهر أنّ محقق الكتاب قد جَهِدَ في تحقيقه، ووصل الليل بالنهار من أجل إخراج هذا الكتاب القيّم إلى عالم النور، ليَفيد منه العلماء وطلاب العلم، فيكون علمًا يُنتفع به، وعملًا لا ينقطع بانقطاع الحياة.
لقد قام المحقّق الفاضل بمقابلة الكتاب على خمس نسخ خطيّة، لا بد أنّه بذل جهدًا ومالًا من أجل الحصول عليها، ولا شكّ أنّ الحصول على مثل هذا العدد من المخطوطات لكتاب واحد؛ لا يتأتّى إلا مع عناء شديد، ومال وفير، وربّما سفرٍ وهجر للأهل والأولاد.
قام محقق الكتاب بكتابة مقدمة استعرض من خلالها بعض المتهوكين الذين تناولوا النبي صلى الله عليه وسلم بالسبّ والانتقاص، فردّ عليهم بسيف الحجة والبيان. وقام باستعراض المصنفين ومصنفاتهم في مسألة سبّ الرسول عليه الصلاة والسلام، وعرّف بالكتاب المحقَّق تعريفًا وافيًا، وترجمَ لمصنّف الكتاب ترجمةً مطوَّلة، ووضع صورًا لبعض صفحات الأصول الخطية التي اعتمدها في تحقيقه. ثمّ سردَ النصَّ المحقَّق بعناية فائقة، وعلّق عليه تعليقات مفيدة - قد لا أوافقه في بعضها؛ ولا يضيره ذلك -، وخرّج الأحاديث تخريجًا جيِّدًا، وأحسب أنه ما تركَ فائدةً رأى فيها إفادة للقارئ إلا وثبّتها في طيّات تعليقاته على هذا الكتاب.
ثمّ في نهاية الكتاب وضع ثَبتًا لفهارسه، تناول فيه فهارس الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والآثار الموقوفة والمقطوعة، والأشعار، والكتب المذكورة في المتن، والأعلام، والفِرَق والطوائف والقبائل والأمم، والأماكن والبلدان، والمراجع والمصادر، وفهرسًا تفصيليًا للموضوعات، وفهرسًا إجماليًا لها. فبلغ عدد صفحات الكتاب (666) صفحة.
هذا الجهد الكبير؛ قام أحد المحقّقين! (سليم الهلالي!) بسرقته عن بكرة أبيه، زاعمًا أنه يُخرج لنا كتابًا يُطبع لأول مرّة على يديه، بتحقيق قلمه، وبجهده وفِكره، واستغفل بذلك دار ابن حزم ليقنعها بطباعة هذا الكتاب، الذي طبعته الدار المشار إليها في العام (2005م) .
سيكون من العبث أن أضيع وقت القارئ في عملية مقارنة بين هذا التحقيق وذاك، لكي أثبت أن الثاني مسروق من الأول، لأنّ معظم التعليقات، بل والمقدمات والفهارس مسروقة مسلوبة، لا يشكّ في هذا الأمر مطّلعٌ على النسختين، ولا يرتابُ فيه من عَرف حقيقة ذاك المحقّق الدعي، الذي لطالما تطاول على الأستاذ الكبير سيّد قطب، ثم طالت يدُه كتب الشهيد بالسلب والنهب، ينهل منها كلماته الجزيلة، وعباراته الجميلة، وتصويراته الفنيّة، وتعبيراته اللّغوية التي ترسم لوحةً رائعة رائقة، ثم هو ينسبها لنفسه، ويعزوها لقلمه، زاعمًا أنها له ومنه، ليتكسّب بطباعة الكتب، وبيعها للعامّة والمغفّلين من طلاب العلم.
إنّ الذي يسرق كتابًا لواحدٍ من المسلمين؛ إنّما هو يسرق أمة الإسلام كلَّها، لأنّ المسلمين كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، فلا ينبغي أن يُسكَت عن هؤلاء السارقين الناهبين لجهود إخوانهم، بحجة الستر وعدم إثارة الفتنة ..
إنّ الفتنة في صورتها الجليّة، تتمثّل في السكوت عن أمثال هؤلاء الذين يتكسّبون بالعلم، ولا يجدون رادعًا يردعهم، ولا حدًّا يُقام عليهم، ولا ناصحًا يأخذ على يدهم. وليس لنا مع هؤلاء إلا أن نكشف أمرَهم للناس، بعد أن قُدمت لهم النصيحة مراتٍ ومراتٍ، فلم يرتدعوا عن شنيع فِعلهم، وقبيحِ جُرمهم، وانتهاكهم لحدود الله تعالى.
قرأت خبرًا في صحيفة يومية قبل أيام، جاء فيه أنّ لصًّا لم يتمكّن من الفرار بحاجيات سرقها من مجمع تجاري في منطقة الرابية، حيث أنّه أُصيب بنوبة قلبية أثناء محاولته الفرارَ بالمسروقات .. وكشفت التحقيقات أنّ هذا السارق من ذوي الأسبقيات في قضايا السرقة ..
أضعُ هذا الخبرَ بين يدي أولئك المحقّقين السارقين؛ لعلّه يؤثّر فيهم، فيعيدوا الحقوق إلى أصحابها، ويعتزلوا فنَّ التحقيق و (التلفيق) ويدَعوا الميدان لأصحاب الأقلام الصادقة، الذين لا يتّخذون من العلم مطيّة للوصول إلى متاع الدنيا الفانية.
وليتذكروا أنَّهم إنْ أصروا على ما هم عليه، لربما يصبحون من أصحاب الجلطات القلبية، ثمّ يُردّون إلى مَعاد.