الصفحة 6 من 45

عصابة السُرّاق المتحدة!

[الكاتب: وائل البتيري]

في زمن من الأزمان، وفي بلد من البلدان، نشأت عصابة من المختصّين بمقارفة السرقات العلمية، تتشبّع بما لم تُعطَ من العلم، ويعرّف كل عضو من أعضائها بنفسه على أنه صاحب التصانيف النادرة الكثيرة، والمؤلفات العزيزة الغزيرة، وفي مقدّمة كلّ كتاب لا بد من تسطير عبارات الثناء على هذا الكتاب المحقَّق المدقَّق! وفي ثنايا كتابٍ لأحدهم؛ يصل حدَّ الوجوب أن يعزو المؤلف إلى كتاب فرد آخر من أفراد العصابة (النهّابة) فيكون كلّ واحد منهم وفيًّا لصاحبه، ملتزمًا بالتعاليم التي يمليها عليهم إبليس اللعين.

لا يستحيي كبيرهم الذي علّمهم السرقة، و (أعلاهم!) منزلةً فيها؛ أن يقول في أحد كتبه: (سرقة الأفكار أنكى من سرقة الدرهم والدينار) ثم يسطو على كتب عديدة، يسلب منها النصوص العلميّة جملةً وتفصيلًا، ويستحلّ ببيع هذه الكتب دراهم الناس ودنانيرهم، بعد أن كان قد استحلّ أفكارهم وما تجود به أقلامهم.

وآخر يتبجّح بالقول (السليم!) : (إن سلفنا الصالح من أئمة الهدى كانوا إذا صنّفوا أو جمعوا؛ فإنهم يردّون الأقوال إلى قائليها ... وهذا أمر تقتضية الأمانة العلمية!) ثمّ بعد ذلك يملأ كتبه بما هبّ ودبّ من أقوال الآخرين وإبداعاتهم، ينسبها إلى نفسه، ويضرب صفحًا بالأمانة العلميّة التي يتحدّث عنها، وكأنّه يتحدّث عن شيء آخر لا تستطيع عقولنا أن تدرك معانيه، فالمعنى في بطن (السارق) ! والواجب على القارئ أن يُمرَّ كلامه بلا معنى ولا كيف!!

هذا نفسه؛ يقدّم له أحد أفراد العصابة كتابًا يبحث في صفة من صفات الله عز وجلّ، محسنًا فيه الظنّ بأن يصحّح ما قد أخطأه قلمه، أو سها عنه فكره .. فإذا بصاحبنا (الأمين المؤتمن) يلتهم ما حلا له من الكلمات؛ ليضعها في كتاب يبحث في موضوع صاحبه نفسه!!

ومن المفارقات والمقارفات العجيبة أن هذا (السارق) يرى في الأستاذ سيّد قطب رجلًا جاهلًا ضالًا مبتدعًا، ثم إذا تأمّلت كتبه تجد أن أكثرها سرقات من كتب الشهيد سيّد رحمه الله تعالى .. فليست أمريكا وحدها هي التي تكيل بمكيالين، ولا الأمم المتحدة، وإنما يشاركهما في هذا عصابة السُرّاق المتّحدة!!

وأما ثالثهم - الذي بنى مؤلّفاته على جهود الآخرين وعرقهم وأفكارهم، كما بنى قصره بما جُمع من جيوب طلبة العلم الغالب عليهم الفقر، بشراء كتبه وتحقيقاته (المشهورة) لشهرته؛ محبّةً منهم للسلف الصالح ومن ينشر علمهم - فيأتيه أحد أفراد جماعة التبليغ - المنحرفة في نظره - بكتاب ألّفه بجهد شاقٍّ شهدت مراحله بنفسي، راجيًا من (فضيلته) أن يبدي ملاحظاته (المباركة) عليه؛ فهو - في نظره - عالمٌ فاضل، وباحثٌ أمينٌ على تراث الأمة، وحريٌّ به أن يكون موجّهًا ومرشدًا تقتدي بأفعاله الأجيال .. فإذا به ينتقي من الكتاب ما وافق مراده؛ ليودعه أحد كتبه على أنه هو قائله، وهو يعلم - يقينًا - أنّ هذا الكلام ليس له ولا منه ولا إليه!!

وآخر ما يقف عليه الباحث من سرقات هذا المؤلّف (المشهور!) كلام للإمام الذهبي - رحمه الله - في سير أعلام النبلاء، يتكون من سبعة أسطر، ضمّنه هذا المؤلف تحقيقًا له على كتاب للإمام الشوكاني - رحمه الله تعالى -، مدّعيًا أنّه من بنيّات أفكاره، وجرى على رأسه قلمه، ولو نطق القلم لقال: كاذبٌ والله!

إنّ أمثال هذه السرقات العلميّة؛ تتضمن مما يُسخط الله أمورًا عديدة ..

فهي - أول ما تكون - كذبٌ صريحٌ على القارئ المسكين، فالمؤلّف يقول له: (هذا كلامي .. أبدعته بعقلي وقلبي ووجداني) وهي دعوى كاذبة تتصادم مع الحقيقة والواقع.

ثمّ هي تدخل في قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: «المتشبّع بما لم يُعطَ كلابس ثوبَي زور» ، وقد تدخل في قول الله تعالى: (لا تحسبنّ الذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذابٌ أليم) . قال ابن كثير في تفسيره: (يعني بذلك المرائين المتكثّرين بما لم يُعطَوا، كما جاء في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ادّعى دعوى كاذبة ليتكثّر بها؛ لم يزدْهُ الله إلا قلّة» ) .

ثمّ هي سرقةٌ بكلّ ما تعنيه هذه الكلمة من معانٍ دنيئة؛ من أظهرها أنها اعتداءٌ شنيع على حقوق الآخرين وحرماتهم.

ناهيك عما تحمله هذه السرقات من معاني الخيانة للقرّاء الذين استأمنوا هذا المؤلّف على مسائل العلم ..

ثم هي تتسبّب بما يمكن تسميته الفوضى العلميّة، فلربّما لزم طالبًا أو كاتبًا أو باحثًا أن ينقل نصًّا مسروقًا؛ فيعزو هذا النصّ لهذا (المؤلف - السارق) المعاصر، ويكون هذا الأخير قد سرقه من مؤلّف مات قبل مئات السنين!!

وهذا يذكّرنا بأمر آخر، وهو أنّ هذه السرقات ربّما تتضمن سرقة كلام لأناس فارقوا الحياة، وأفضوا إلى ما قدّموا، فمن أين لنا أن نتحلّل من حقوقهم، ونستسمح منهم، وقد قال ابن رشد: (من شروط التوبة من مظالِم العباد تحلُّلهم) .

ويدلّنا أحد أفراد هذه العصابة - مشكورًا - على سلبية أخرى من سلبيات هذه السرقات؛ فيبيّن لنا في أحد كتبه أن المؤلّف الذي يسرق نصوص غيره (يُلزم نفسه أن يحمل أخطاء الآخرين الذين نقلَ أقوالهم، واستشهد بآرائهم) .

ثم ينبغي التنبّه إلى ما ينتج عن هذه السرقات من صدمة نفسية لدى القراء والمعجَبين، وكما هو معلوم؛ فإنّ (النظر في مآلات الأفعال معتبرٌ مقصودٌ شرعًا) - كما قال الشاطبي في (الموافقات: 5/ 177 - بتحقيق مشهور حسن) - فهل نظر هؤلاء إلى ما تؤول إليه سرقاتهم من صدمات ربّما يتعرّض لها أتباعهم وقرّائهم عندما يعلمون أنّ الذين كانوا يظنونهم علماء ودعاة يُقتدى بهم، ما هم إلا عصابة من لصوص النصوص!!

هذه العصابة تنتمي إلى مدرسة تدعو إلى التمسّك بالكتاب والسنّة وفهمهما بفهم السلف الصالح، مما يستوجب على أتباع هذه المدرسة والمقتنعين بمبادئها؛ أن يتبرؤوا من هؤلاء السالبين الناهبين. وإن لم تطل هؤلاء يد العدالة، وحال بينهم وبين العقوبة أسلاك وأشواك، ولم تفلح معهم النصائح تلو النصائح .. فليس أقلّ من أن نعرّف الناس بهم، ونحذّرهم منهم، تمامًا كما نفعل مع العصابات التي تسرق المال والمتاع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت