الصفحة 7 من 45

[الكاتب: وائل البتيري]

للعلماء مكانة عظيمة عند اللّه عز وجل، ويكفي دلالة على ذلك قولُه تعالى: {شهد اللّه أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط} ، فقد قرن - سبحانه - شهادة العلماء بشهادته وشهادة ملائكته، وأشهدهم على أعظم مشهود، وهو توحيد اللّه جل وعلا، وبهذا يكون قد زكّاهم وفضّلهم على غيرهم، فهو - سبحانه - لا يستشهد إلا بالعدول، وهو - سبحانه - أشهدهم دون غيرهم من سائر البشر.

من أجل هذا، ينبغي على العالم أن يكون غير الناس، فيزهد بما في أيديهم، ولا ينظر إلى الدنيا بعين مفتوحة، وإنّما يغض الطرف عنها، ولا تشغله عن مهمّته التي زكّاه اللّه بها. فإنّ المرء إذا عظُمت الدنيا في عينه، وصارت أكبر همّه ومبلغ علمه، كان ذلك هو المدخل الكبير للوصول إلى قلبه، فتردُ على قلبه موارد الشيطان، ويصبح ما يراه بعينيه من زينة الدنيا قوسًا يوجّه سهامه إلى هذا القلب، فلا يلبث أن يسقط قتيلًا، وهنا يتردّد صدى صرخة الإمام الثوري رحمه اللّه: (عقوبة العالِم موتُ القلب) .

والمرء إذا توقّفت دقات قلبه، انقطع وصلُه لأحبابه، والعالِم إذا مات قلبُه، لا يُنتفع به، فهو كالصخرة الصمّاء التي تدحرجها الأيدي وتركلها الأرجل، ولا تملك لنفسها حياة ولا نشورًا، والعالمُ رؤيته تذكّر باللّه، وتزهّد في الدنيا، وترغّب في الآخرة، ولو لحظ المؤمن قلبه ماذا يخطر فيه عند رؤية هذا العالم أو ذاك، عرف مبلغهم من العلم.

و اليوم .. يقع نظرك على أحدهم فتتذكّر تجارة الكتب وسرقة النصوص العلمية، وآخر يذكّرك بالجدال والمراء والأنفة وبطر الحق، والثالث يذكّرك بالنفاق والتزلّف للأمراء والسلاطين، طلبًا لرضاهم ولو بسخط اللّه .. و الرابع والخامس والسادس ...

كلّ هؤلاء وأولئك ليسوا من زمرة العلماء، ولقد قيل للشعبي: يا عالم! فقال: (إنما العالم مَنْ يخشى اللّه) ، وماذا بلغ هؤلاء من علم الشعبي يا ترى؟

بعض من يظنّ نفسه من العلماء، أو يُظنُّ به أنّه من العلماء، إذا حاورته في مسألة فإنّه لا يرى الحقّ إلا ما جرى على لسانه، وربّما يلجأ إلى الكذب والتحريف - بلباس التورية - ويُتبع ذلك بالأيمان المغلّظة، كلّ هذا ليثبت صحة مذهبه، وصواب قوله، وأنه وافق الحق، ولسان حاله يقول: هنيئًا للحقّ فإنّ الحقّ وافقني!!

أيُعدّ هذا من العلماء يا ترى؟ وقد قال مسروق رحمه اللّه: (بحسب امرئ من العلم أن يخشى اللّه، وبحسب امرئ من الجهل أن يُعجَب بعلمه) !

وآخر تلبّس بنفس ما يظن صاحبه من نفسه - أنه عالمٌ نحرير، ومحقّق خرّيت، وأنه أعزّ في هذه الأمة من الكبريت الأحمر - لا تجد له مؤلّفًا إلا وملأه بعبارات اللعن والشتم والسِّباب، وإذا أراد أن يتلطّف قليلًا فإنه يلجأ إلى التصغير والتحقير، وإذا بلغ الغاية في التلطّف فإنّه يكتفي بالغمز واللمز وخائنة الأقلام!!

أيُعدّ هذا من العلماء يا ترى، وقد قال حبيب بن الشهيد لابنه: (يا بني .. اصحب الفقهاء والعلماء، وتعلّم منهم، وخُذْ من أدبهم، فإنّه أحبّ إليّ من كثير الحديث) ! .. دُلّنا على هؤلاء أيها (الحبيب) حتى نصحبهم ونأخذ من أدبهم!

قديمًا قال محمد بن سيرين ومالك والفضيل وغيرهم من السلف: (إنّ هذا العلم دين، فانظروا عمّن تأخذوا دينكم) .

فكما أنّ للعالم - حتى يكون عالمًا - شروطًا، فإنّ له جوارح تجرح عدالته وتُسقطه من جملة العلماء، وخوارم تخرم هذه المكانة الجليلة، من أهمّها: أن تقلّ هيبة اللّه عنده، وتكبر نفسُه - هو - في نفسه، وأن يشار إليه بأنْ: ذاك هو صاحب الخلُق الذميم، فاحذروه .. ذاك هو صاحب القلب الميّت فاجتنبوه!!

وبهذا يُقام العدل، وينال من كان يومًا عالمًا عقوبته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت