الصفحة 4 من 45

"زاد المستقنع"بين التحقيق والتخريق

بسم الله، و الصلاة و السلام على رسول الله، و على آله و صحبه.

أما بعد:

فإنه قد وقع في يدي متن"زاد المستقنع"في فقه الأئمة الحنابلة _ رحمهم الله _ مكتوب على طُرَّتِهِ (و ثق نصوصه، و ضبط متنه، و شرح غريبه، و خرج أحاديثه: أبو أسامة سليم بن عيد الهلالي السلفي الأثري ... ) فرأيت المتن المُحَقَّقَ و المُعْتَنَى به فإذا الخُبْرُ يُخالف الخبر، و المُبْطَنُ يُنَاقِضُ المُظْهَر، ففيه تشريق و تغريب، بل تخريق و تخريب لهذا المتن المبارك الذي يُعَدُّ من الكتب الأصول عند أهل العلم، و التي جمعت بين دَفَتَيْها فقهًا كثيرًا، و علمًا غزيرًا.

و والله إنه لمؤسفٌ أن يُتَعَرَّضَ لكتب العلم بالإفساد و التخريب بدعوى العناية و التحقيق، و هذا ما لحق بـ (الزاد) _ و الله المستعان _.

و لي مع هذا (التخريق) وقفات:

الأولى: أن هذا الرجل (سليم الهلالي) من جُمْلَةِ من يَزْعُمُ أنه من طلبة الحديث النبوي، و منهج هذا الرجل عدم الاهتمام و الالتفات إلى كتب المذاهب الفقهية.

و هو أيضًا أجنبي عن هذا الفن (الفقه) ، و قليل الدراية به، و من قرأ تحقيقه لـ (الزاد) عرف صدق ما أقول.

و لقد قام هذا الرجل بالعناية بكتاب العلامة المعصومي (هديَّة السلطان إلى مسلمي بلاد اليابان) و هو يتحدَّث عن مسألة اتباع المذاهب الأربعة، و قد قدَّم له (سليم) بمقدِّمَةٍ بيَّن فيها أن المرجعية عند التنازع هي الكتاب و السنة، و قارن بين قوله هناك _ ص (19 _ 44) و فعله هنا.

و قد ذكر أن الباعث له على الاعتناء بالكتاب؟! هو طلبُ صاحب مكتبة الرشد (أبو فهد بن أحمد الحمدان) منه تحقيق الكتاب و العنايةَ به.

و العمل بهذه الطريقة لا يكون _ غالبًا _ نشرًا للعلم بصورة حسنة بهيَّة.

الثانية: منهجه و عمله في الكتاب، و هي أربع نقاط:

1) (ضبط المتن ضبطًا؛ يحول دون وقع اللبس في مواطن الاحتمال، و بعيد الإضافات، و شكل المُشْكل الذي لا يفهم إلا بذلك) .

قلت: و إذا نظرنا _ بالمقارنة _ بين هذا المنهج المُنَظَّرِ هنا و بين واقع الكتاب لوجدنا أن الأمر إنما هو نفخ لصورة العمل ليس غير.

فهو لم يضبط المتن بالشكل _ كما زعم _ ضبطًا؛ يحول ... .

2) (توثيق النص، و لا سيما أن كثيرًا من النسخ المطبوعة كثيرة التصحيف و التحريف بل يوجد في بعضها نقص، و قد اعتمدت على متن الكتاب الموجود في(( الروض المربع ) )حيث حصلت على نسخة خطيَّة بخط المصنف _ رحمه الله _ ... )

قلت: و أين التوثيق المزعوم لنص المتن، و كفى بيانًا لإبطال هذا الزعم و إسقاطه: اعتماده على متن الزاد الموجود في الروض.

و هذا المسلك لي عليه مآخذ:

أ- أن اعتماده على المتن الموجود في الشرح غلط في منهجية التحقيق و ذلك لأمرين:

الأول: أن طرق الشراح للمتون غالبًا ما تكون على إحدى طريقتين:

الأولى: مَزْجُ الشرح بالمتن، و يُفَرِّقُوْنَ بين المتن و الشرح باللون الأحمر للمتن.

الثانية: عكس الأولى.

و الإمام البهوتي _ رحمه الله _ سلك الطريقة الأولى.

ثم أيضًا إن ذكر الشراح للمتن مختلفة على منهجين:

الأول: من يشترط ذكر المتن كاملًا، و يشرح ألفاظه كلها.

الثاني: من يشرح من المتن ما يراه مُسْتَحِقًَّا للشرح و التوضيح.

و بهذا لا نستطيع الجزم بأن الإمام البهوتي _ رحمه الله _ اشترط شرح جميع ألفاظ الزاد.

و الأمر الثاني: كيف يكون من منهجية التحقيق الاعتماد على الشرح مع وجود الأصل.

فإن متن الزاد متوافرة و كثيرة، فلو كان (سليم) صادقًا في زعمه تحقيقَ الزاد تحقيقًا علميًا لبحث عن أصل خطي للزاد؛ و هو صاحب التحقيقات الكثيرة، و عُمُرُهُ في التحقيق فيه طُوْلٌ.

ثم إن اعتماده على مخطوطة (الروض) أوقعه في أغلاط كثيرة في (التحقيق) منها ما يلي:

1_ السقط الكثير و الطويل في المتن.

2_ الإقحام في المتن ما ليس منه.

و هذا يدلُّ على عدم معرفة (سليم) بالكتاب _ الزاد _.

ب- انتقاد (سليم) الطبعات السابقة _ و هي أصح من تحقيقه؟! _ بأنه يوجد فيها سَقْطٌ، و تصحيفٌ، و تحريفٌ هو ما حصل له في تحقيقه؟! _ و سيأتي الكلام عنه _.

و لم يُسَمِّ لنا الطبعات حتى يَبِيْنَ لنا كبير جُهْدِهِ.

ج- أكثرَ من قوله (في نسخة) و هذه النسخة لم يُسَمِّها لنا.

3) (شرح بعض الألفاظ الغريبة و الجمل المبهمة و التي لا يتم مراد المصنف إلا بها ... ) .

قلت: الألفاظ الفقهية الغريبة إنما تؤخذ من كتب الغريب، و في الفقه الحنبلي كتب في غريب ألفاظ المذهب؛ لا يجهلها (المحقق) .

4) (خرجت الأحاديث المرفوعة التي وقَعَت في كلام المصنف، و إن لم يصرح بذلك) .

قلت: حين النظر في تخريج (سليم) أحاديث الزاد نجد أنه لم ينهج منهج العلماء في التخريج، و منهجهم هو العزو إلى كتب السنة المعتبرة كـ (الصحيحين، و السنن، و المسانيد، و المصنفات، و المعاجم، ... ) .

و أما منهج (سليم) في التخريج فهو العزو إلى كتبه!؟.

و هل العزو إلى كتب الشخص يُسمَّى تخريجًا؟

الثالثة: في (التحقيق؟!) سقط كثير؛ و إليك البيان:

أ- سقط من قوله _ في [باب شروط الصلاة] : (و من رأى عليه نجاسة بعد صلاته و جهل كونها فيه لم يعد) إلى نهاية الفصل من قوله: (فصل: و يكره في الصلاة ... ) و هو بمقدار (3 _ 4) صفحات.

و يكون بهذا (التحقيق؟!) قد سقط:

1.نهاية باب شروط الصلاة.

2.باب صفة الصلاة.

3.فصل [فيه ما يكره في الصلاة] .

ب- سقط كتاب النكاح كاملًا، و هو بمقدار (10) صفحات.

و هذه الأبواب لن تخلُ منها نسخة من نسخ الزاد المخطوطة و المطبوعة _ التي انتقدها _، بل لم تَخْلُ منها كتب الفقه كلها؟!.

ج- سقط بعض الكلمات من المتن و هي كثيرة و لكن إليك بعضها:

1.في ص (18) س (2) في قوله: (و لو في أكبر حلها) سقط حرف (إلى) بين (أكبر) و بين (حلها) .

و هي موجودة في نسخ الزاد، و إليك البيان:

1_ طبعة العلامة ابن مانع ص (9) ط: مطبعة المدني.

2_طبعة العلامة علي الهندي ص (27) ط: مكتبة النهضة الحديثة.

3_ حاشية العلامة ابن قاسم (1/ 227) .

2.في ص (27) ، س (10) في قوله: (أو علمًا أربع أصابع فما دون) سقطت كلمة (كان) بين (أو) و بين (علما) .

و هي موجودة في الطبعات، و هذه مواضعها:

1_ طبعة العلامة ابن مانع ص (19) .

2_ طبعة العلامة علي الهندي ص (38) .

3_ حاشية العلامة ابن قاسم (1/ 524) .

الرابعة: الزيادات في المتن ما ليس منه، و هذه حدِّث عنها و لا حرج، و إليك الإيضاح:

1.في ص (13) س (4) زاد قوله: (النوع الأول) و هذه في الروض و ليست في الزاد.

و مثلها: ص (13) قوله: (النوع الثاني) ، و ص (14) س (1) .

و هذه الزيادات مقحمة من الروض، و ليست في الزاد باتفاق جميع نسخ الزاد.

2.في ص (16) س (17) زاد الآية:] و أرجلكم إلى الكعبين [و هي ليست في الزاد بل في الروض.

3.في ص (20) س (11) زاد قوله: (غير محترق) ؛ و هذه في الروض _ قيدًا في التراب _ و ليست في الزاد.

4.في ص (21) س (8) زاد كلمة (الحكمية) و هي ليست في الزاد بل في الروض.

5.في ص (24) س (12) زاد قوله (المؤداة) و هي ليست في الزاد بل في الروض.

6.في ص (27) س (9) زاد قوله (أو قمل) ، من الروض و ليست في الزاد.

و الزيادات كثيرة جدًا، و لم أستقصها و لو استقصيت لخرجت بشيء منها كثير.

الخامسة: عدم العناية بعلامات الترقيم، و لا يخفى على كل طالب علم ما لعلامات الترقيم من أهمية و فائدة في ضبط المتن، و تيسير فهمه، و يكون هذا في المتون أشد عناية، و أكثر أهمية، و مع ذلك نرى الخلط الكبير في علامات الترقيم.

و عدم عنايته بها إنما هو من جهله بالمتن، و عدم فهمه له.

هذا آخر ما لدي و لم أتتبع الكتاب كلَّه و أقارن بين نُسَخِهِ _ المجردة أو التي مع الشرح _ و لو تتبعت لجئت بما لا تقرُّ به عين من يتقي الله _ تعالى _ في كتب العلم، و يحترق قلبه على ما نالها من سطوة المحققين (المتاجرين) _ و الله المستعان _.

و أخيرًا: أقول لهذا الرجل أهذا الذي قمت به تسميه تحقيقًا _ مع أن الطبعات السابقة أصح من هذه الطبعة _؟

فأقول له: اتق الله _ تعالى _ في كتب العلم، و لتَنْصَح لخاصة الأمة و هم العلماء و طلاب العلم.

و أقول له _ أيضًا _: إن كان (تحقيقك) للروض _ كما ذكرت في المقدمة (5) _ كهذا (التحقيق) فاتق الله و راقبه فيما تكتب، و أنه لن يغفل عنك _ سبحانه و تعالى _.

و صلى الله وسلم على نبينا محمد و على آله و صحبه و التابعين

كتبه: عبد الله بن سُلَيْمَان العُتَيِّق

16/ 9/1422هـ

الرياض 11527 / ص ب 68298

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت