ففي الآيات الأول بيّن تبارك وتعالى أن أصل المقولة من"الذين كفروا"وفي الآية الأخرى ذكر جل وعز أن القائل هم"الذين نافقوا"فقائل هذه الكلمة الخبيثة إمّا من"الذين كفروا"أو من"الذين نافقوا"وأمّا يكون من"الذين هم للكفر أقرب منهم للإيمان"ولا رابع لهم.
أما أهل الإيمان الذين أسلموا لله واستسلموا له فلا يقولون مثل هذا الهذيان ولا يكاد يخطر على بالهم.
فهم مؤمنون بالله راضون بقدره بل هم مشتاقون للقياه
لا تعذل المشتاق في أشواقه حتى يكون حشاك في أحشائه
يقول سيد قطب رحمه الله(إن صاحب العقيدة مدرك لسنن الله متعرف إلى مشيئة الله مطمئن إلى قدر الله. إنه يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. ومن ثم لا يتلقى الضراء بالجزع ولا يتلقى السراء بالزهو ولا تطير نفسه لهذه أو لتلك; ولا يتحسر على أنه لم يصنع كذا ليتقي كذا أو ليستجلب كذا بعد وقوع الأمر وانتهائه! فمجال التقدير والتدبير والرأي والمشورة كله قبل الإقدام والحركة; فأما إذا تحرك بعد التقدير والتدبير - في حدود علمه وفي حدود أمر الله ونهيه - فكل ما يقع من النتائج فهو يتلقاه بالطمأنينة والرضى والتسليم; موقنًا أنه وقع وفقًا لقدر الله وتدبيره وحكمته; وأنه لم يكن بد أن يقع كما وقع; ولو أنه هو قدم أسبابه بفعله! ..
توازن بين العمل والتسليم وبين الإيجابية والتوكل يستقيم عليه الخطو ويستريح عليه الضمير. فأما الذي يفرغ قلبه من العقيدة في الله على هذه الصورة المستقيمة فهو أبدًا مستطار
أبدًا في قلق! أبدًا في «لو» و «لولا» و «يا ليت» و «وا أسفاه» !
والله - في تربيته للجماعة المسلمة، وفي ظلال غزوة أحد وما نال المسلمين فيها - يحذرهم أن يكونوا كالذين كفروا. أولئك الذين تصيبهم الحسرات كلما مات لهم قريب وهو يضرب في الأرض ابتغاء الرزق أو قتل في ثنايا المعركة وهو يجاهد)أ. هـ. في ظلال القرآن 1/ 498
لذلك جاء النهي من الله سبحانه عن مشابهة الكفار في هذه الدعاوي الخبيثة التي يروج لها المنافقون قال الشيخ السعدي رحمه الله (ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يشابهوا الكافرين، الذين لا يؤمنون بربهم، ولا بقضائه وقدره، من المنافقين وغيرهم. ينهاهم عن مشابهتهم في كل شيء، وفي هذا الأمر الخاص وهو أنهم يقولون لإخوانهم في الدين أو في النسب: {إذا ضربوا في الأرض} أي: سافروا للتجارة أو