ومن المسلم به عقلًا أن ما ليس فيه معارضة فهو آكد مما فيه معارضة، وعلى هذا فيلزم من قال بوجوب القصر في حال الأمن. وعدم وجوبه في حال الخوف، القول بخلاف المعقول، كما يلزم من قال بوجوب القصر في حال الخوف، القول بالوجوب مع عدم ورود صيغة الأمر به، إذ الصيغة إنما وردت في قبول ما تصدق الله به على عباده، وهو القصر في حال الأمن الذي سأل عنه عمر - - رضي الله عنه - - كما أن فيه مخالفة لما دل عليه منطقو الآية، وهو إباحة القصر، وذلك برفع الجناح. والله أعلم.
الدليل الثالث: ما ثبت من إتمام عائشة وعثمان - - رضي الله عنه - - وغيرهما من الصحابة، مع أن عائشة - - رضي الله عنه - - ممن روى عنها قولها: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر. رواه مسلم (1) .
فإتمامها يبين أن المراد من قولها:"فأقرت صلاة السفر"أي باعتبار ما آل إليه الأمر من التخفيف لا أنها استمرت منذ فرضت على ركعتي، لأنه يلزم من هذا أن القصر عزيمة وهو خلاف فهمها وفعلها، كما أشار إليه ابن حجر فيما سبق (2) . ثم إن دلالة ما سبق من الآية والحديث توجب تأويل قولها، كما أوجبه دلالة فعلها، والله أعلم.
أما ما روى عن ابن عباس - - رضي الله عنه - - أنه قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم، - صلى الله عليه وسلم - ، في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة. رواه مسلم (3) .
(1) صحيح مسلم 5/184.
(2) سبق ذكر كلام ابن حجر في موضوع: تاريخ قصر الصلاة.
(3) صحيح مسلم 5/196.