ثم إن ضد القبول: الرد، قال في لسان العرب: رد عليه الشيء لم يقبله (1) . فعلى هذا فمن اعتقد مشروعيته القصر في السفر حال الأمن فقد قبله، وليس المراد به أن من لم يقصر لم يقبله، والفرق بينهما ظاهر. والله أعلم.
إن هذا الأمر خرج مخرج التأكيد لا التأسيس، وذلك أن صدر الحديث يدل على إباحة القصر في حال الأمن بعدما كان محظورًان لأن معنى قوله، - صلى الله عليه وسلم -:"صدقة تصدق الله بها عليكم"أي: تفضل بإباحة ما كان ممنوعًا قبل ذلك. كما في التصرف في أموال الآخرين، فإنه يحرم قبل إباحتها بذلك. ثم جاء الأمر في عجز الحديث بقبول هذه الصدقة، فيجب حمله على أنه لتأكيد دلالة صدره لا لمعارضتها، إذ يلزم من حمله على الوجوب: ورود حكمين مختلفين في مسألة واحدة، وفي حديث واحد: أحدهما يدل على استحباب القصر والثاني يدل على وجوبه، وهذا مصون عن كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما فيه من الخلل والاضطراب.
ثم إن الأصل في فهم الأدلة ألا يصار إلى التعارض ما أمكن التوفيق، وهو ممكن هنا، وذلك بحمل عجزه على أنه لتأكيد دلالة صدره. والله أعلم.
دل منطوق الآية على إباحة القصر في حال الخوف، ودل مفهومها على منعه في حال الأمن، فجاءت السنة فبينت أن دلالة المفهوم غير مراده، مع عدم معارضتها لدلالة المنطوق.
فصار في القصر في حال الأمن دليلان متعارضان أحدهما منطوق السنة والثاني مفهوم القرآن، أما القصر في حال الخوف فدل عليه منطوق القرآن بلا معارض.
(1) المصدر السابق مادة: رد 3/173.