الدليل الثاني: روى يعلى بن أمية - - رضي الله عنه - - أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب - - رضي الله عنه - -: { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا } فقد أمن الناس فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله، - صلى الله عليه وسلم - ، عن ذلك فقال:"صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته"رواه مسلم (1) .
وجه دلالة الحديث:
ذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذا الحديث يدل على استحباب القصر في السفر، لأن معنى قوله، - صلى الله عليه وسلم -:"صدقة تصدق الله بها عليكم"أي تفضل عليكم بالتخفيف من عدد ركعات الصلاة بعد أن كان محظورًا تخفيفها على من كان مسافرًا آمنًا، لأن من المقرر عدم وجوب قبول الصدقات، بل الواجب قبول العزمات - فلو كان القصر واجبًا لقيل عزمه من عزمات ربنا. أو نحو ذلك مما يدل على وجوب القبول.
وخالف في هذا بعض أهل العلم فقالوا: إن قوله، - صلى الله عليه وسلم -:"فاقبلوا صدقته"أمر يدل على إيجاب القصر، لأن من لم يقصر فليس بقابل للصدقة، فهو عاص. قال الشوكاني - رحمه الله - فالظاهر من قوله: صدقة؛ أن القصر رخصة فقط. وأجيب بأن الأمر بقبولها يدل على أنه لا محيص عنها، وهو المطلوب (2) .
وأرى أن هذا غير صحيح للأمور التالية:
إن هذا الأمر خطاب لمن استشكل فعل القصر من رسول الله ، - صلى الله عليه وسلم - ، في حال الأمن لمخالفته مفهوم الشرط الثاني من الآية، وليس هو خطابًا لمن كان لا يفعله ابتداء. فهو إذا يتعلق بالرضا والقبول والطمأنينة النفسية، وليس أمرًا بمباشرة فعله، لأن عمر - - رضي الله عنه - - كان ممن يفعله مع رسول الله، - صلى الله عليه وسلم - ، ولكنه أشكل عليه قبوله، ولأن معنى القبول في اللغة، هو الرضا بالشيء كما في اللسان (3) .
(1) صحيح مسلم 5/196.
(2) نيل الأوطار 3/229.
(3) لسان العرب مادة: قبل 11/540.