الصفحة 16 من 114

وجه دلالة الآية:

أن المراد بنفي الجناح في الآية: هو إسقاط الإثم عمن قصر الصلاة، وليس المراد به إيقاع الإثم على من لم يقصرها، والفرق بينهما ظاهر، لأن المعنى الأول جزء من حد المباح، أما المعنى الثاني فهو جزء من حد الواجب، فلا يصح حمل الآية على الوجوب لما بينهما من الاختلاف. ثم إنه يلزم من حملها على الوجوب تغيير معناها إذ لا يستقيم هذا إلا إذا كانت بمعنى: عليكم الجناح إن لم تقصروا من الصلاة، وهذا يأباه سياقها.

وقد ورد نفي الجناح في كتاب الله في خمس وعشرين آية، وهي محمولة على الإجابة، كقوله تعالى: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ } ولم يختلف أهل العلم فيما أعلم إلا ف آية واحدة مع هذه الآية وهي قوله تعالى: { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا } .

فقال بعضهم: إن هذه الآية يراد بها الوجوب، لأن السعي من أركان الحج أو واجباته، وأرى أن وجوبه ليس من دلالة الآية بل من قول رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -:"اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" (1) ولفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقوله:"خذوا عني مناسككم".. (2) .

أما الآية فلم تدل إلا على نفي الإثم عمن سعى، وهذا لا يفيد الوجوب والله أعلم.

(1) رواه الإمام أحمد في المسند 6/422، والدار قطني 2/256 والحاكم في المستدرك 4/70، وابيهقي في السنن 5/97.

وقد صحح الحديث المزي وابن عبدالهادي. والألباني، انظر نصب الراية 3/56، إرواء الغليل 4/270.

(2) رواه الإمام مسلم في صحيحه، ولفظه:"لتأخذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه". انظر شرح النووي 9/44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت