قلت: الأمر كما قال ابن حجر - رحمه الله -، لأن الآية صريحة في إباحة القصر لمن كان ضاريًان والقصر لا يكون إلا من إتمام، وكذا حديث يعلى فإنه قد أكد ما دلت عليه الآية مع إفادته مشروعية القصر مع عدم وجود الخوف، ثم إن حديث أنس ظاهر الدلالة في وضع شطر الصلاة، وهذا لا يتصور وجوده إلا من صلاة شرعت في حق المسافر أربعًا، ثم قصرت إلى النصف، والواجب ألا تهدر هذه الدلالات لقول صحابي يحتمل التأويل.
أما قول ابن عباس - - رضي الله عنه - - فهو محمول على أن مراده بيان مشروعية أقل أعداد هذه الصلوات، بدليل صلاة الخوف فإنها شرعت ركعة، وركعتين أيضًا كما شرعت رجالًا وركبانًا، وذلك حسب ما جاء في الكتاب والسنة من صفة هذه الصلاة، ولا يصح أن يقال بأن مراده منع الزيادة على ركعة واحدة، وكذا صلاة السفر لا يصح أن يقال بأن مراده أنها شرعت ركعتين ابتداء، وأنها لم تقصر من أربع، لمخالفته لظاهر الكتاب والسنة، وعند الاختلاف يجب التأويل.
أما صلاة الحضر فإن الأربع هي الأقل، وهي الأكثر أيضا، فلا يحتج بورودها في كلام ابن عباس على بقية كلامه في صلاتي الخوف والسفر لعدم ورود المعارض في حقها، بل إن الاقتصار على هذا العدد لم يدل عليه كلام ابن عباس وحده، بل تظافرت الأدلة على مشروعيته، وعلى عدم الزيادة عليه، بخلاف صلاتي الخوف والسفر، فقد جاءت الأدلة مخالفة لظاهر قوله، فوجب التوفيق بينها. ومما يؤكد أن عائشة - رضي الله عنه - لا تريد ظاهر قولها إتمامها لصلاة السفر. فهي لا تتم لو كانت ترى أن فرض الصلاة كان ركعتين. والله أعلم.
2-حكم القصر في السفر
ذهب جمهور أهل العلم إلى استحباب القصر في السفر للأدلة التالية:
الدليل الأول: قال الله تعالى: { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا } (1) .
(1) سورة النساء: آية 101.