كما يتحتم على من يستنبط الأحكام من الألفاظ الشرعية التفريق بينها وبين ما يشابهها مما لم يعلِّق الشارع بها أحكاما. كألفاظ: الراعي والرائد والحطاب والمُنبَتّ والمسافر، لأن أصحاب هذه الألفاظ يشتركون في السفور، والمشي في الأرض خارج البنيان، لكن المسافر يخالفهم في قصده قطع المسافة، أما بقيتهم فلم يقصدوا قطعها إنما قصدوا إنجاز أعمالهم التي لا يحصل لهم إنجازها إلا بالسير خارج الأمصار.
ولهذا فقد قمت في هذا التمهيد بالتعريف بعشرة ألفاظ لتعلقها بأحوال السفر والإقامة. وهما أمران قد علق الشارع عليهما أحكام القصر، والإتمام والإفطار والصيام.
فالتعريف إذا بالمسافر، والمقيم، والحاضر، والبادي، والغائب، والغريب، والمستوطن، والظاعن، والمطمئن، والضارب في الأرض، أمر مهم في تنزيل الأحكام الشرعية على أ؛وال الإنسان في حال ترحاله واستقراره. كما أن للتفريق بين مدلولاتها أهمية كبيرة، حتى لا تتداخل الأحكام، ولذا بينت في آخرها الفرق بين هذه الألفاظ، كما خصصت للتفريق بين السفر والضرب في الأرض مبحثًا خاصا، لأن الشارع علق القصر بالضرب في الأرض، والفطر بالسفر، وإليك بيان هذا والله الموفق.
الحاضر:
الحضور نقيض المغيب والغيبة، وحضر ضد: غاب. والحضر: خلاف البدو، والحاضر: خلاف البادي. والحاضر: المقيم في المدن والقرى، والبادي: المقيم بالبادية.
قال الأزهري: العرب تقول: حي حاضر بغير هاء، إذا كانوا نازلين على ماء عد، يقال: حاضر بني فلان على ماء كذا وكذا، ويقال للمقيم على الماء حاضر، وجمعه حضور، وهو ضد المسافر.
وكذلك يقال للمقيم: شاهد وخافض، وفلان حاضر بمواضع كذا أي مقيم به. ويقال على الماء حاضر، وهؤلاء قوم حضار إذا حضروا المياه. وكل من نزل على ماء عد، ولم يتحول عنه شتاء ولا صيفا فهو حاضر. سواء نزلوا في القرى والأرياف والدور المدارية، أو بنوا الأخبية على المياه فقروا بها، ورعوا ما حولها من الكلأ.