الصفحة 50 من 114

في هذا إشكال حيث سوى - رحمه الله - بين إقامته - صلى الله عليه وسلم - في الحج، وإقامته في غزوتي مكة وتبوك، والصحيح أن بينهما فرقا، لأن إقامته لانتظار الحج، مقصودة بداية ونهاية، بل من حين أنشأ سفره - صلى الله عليه وسلم - من المدينة لعلمه بما يحتاجه الطريق من الأيام، ولعلمه متى يبدأ الرجل إلى منى.

أما إقامتا مكة وتبوك فليستا كذلك، لأن الباعث عليهما ظروف الجهاد بعد الوصول إلى أرض المعركة، وليس بمجرد الاختيار، بل إنهما غير مقصودتين من إنشاء السفر، كما أن عددهما غير مراد أيضًا، فهما أشبه ما يكون بإقامة من وقف خلف أسوار المدينة لفتحها، أو من انقطع به السبيل لحصار الثلج، أو العدو.

ولذا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتم، لأن قصد السفر لم ينقطع حيث لم يقصد الإقامة، بل ظروف الجهاد اقتضتها.

ومما يؤكد هذا أن هذه الإقامة لا تعارض نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - المهاجر أن يقيم في مهجره بعد قضاء نسكه أكثر من ثلاث، لأن الإقامة المنهى عنها هي المقصودة لذاتها، أما هذه الإقامة فغير مرادة لذاتها بل اقتضتها الظروف الجهادية.

وعلى هذا فإن ما استدل به الشيخ لا يصلح دليلًا على ما ذهب إليه لعدم مطابقة الدليل ما استدل به عليه. والله أعلم.

ثالثًا: قال - رحمه الله - وأيضًا فمن جعل للمقام حدًا من الأيام: إما ثلاثة، وإما أربعة، وإما عشرة، وإما اثنى عشر، وإما خمسة عشر، فإنه قال قولًا لا دليل عليه من وجهة الشرع. وهي تقديرات متقابلة.

فقد تضمنت هذه الأقوال تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام: إلى مسافر، وإلى مقيم مستوطن، وهو الذي ينوي المقام في المكان، وهذا هو الذي تنعقد به الجمعة، وتجب عليه، وهذا يجب عليه اتمام الصلاة، بلا نزاع، فإنه المقيم المقابل للمسافر.

والثالث: مقيم غير مستوطن أوجبوا عليه إتمام الصلاة والصيام وأوجبوا عليه الجمعة، وقالوا: لا تنعقد به الجمعة، وقالوا إنما تنعقد الجمعة بمستوطن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت