هذا الكلام صحيح على رأي من يرى أن الظاعن هو المسافر. إلا أن الشيخ - رحمه الله - لم يشر إلى ما دلت عليه الآية من بيان صفة المسافر، وصفة المقيم، مع أنها قد دلت على امتنان الله تعالى على عباده بأن جعل لهم من جلود الأنعام بيوتًا يسهل عليهم حملها يوم سفرهم، كما يسهل عليهم بناؤها يوم إقامتهم.
فالآية قد دلت على أن من حمل بيته وسار في يوم واحد يسمى ظاعنًا، وأن من بنى بيته، وقطع سيره في يوم واحد آخر سمي مقيمًا. فاعتبار هذه الأوصاف عند تحديد الظعن والإقامة أمر مهم.
ولو أشار الشيخ إليها لتميز المسافر عن المقيم، هذا إذا حملنا اليوم الوارد في الآية على ظاهره، أما إذا أولناه بالحين كما قال به بعض المفسرين، فإن مجرد الحط عن الرحال، ونصب الخيام يعتبر إقامة لا ظعنا. فيجب على فاعله الاتمام والصيام، مع أنه غير مستوطن، وعلى هذا فالآية تدل على خلاف ما ذهب إليه ابن تيمية وذلك أنه منع المقيم غير المستوطن من الاتمام. والآية تدل على أن مجرد إقامة اليوم أو الحين مخرجه له عن حكم المسافر. والله أعلم.
ثانيًا: قال - رحمه الله - وقد أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجته بمكة أربعة أيام، ثم ستة أيام بمنى: ومزدلفة، وعرفة يقصر الصلاة هو وأصحابه، فدل على أنهم كانوا مسافرين، وأقام في غزوة الفتح تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة.
ومعلوم بالعادة أ، ما كان يفعل بمكة، وتبوك لم يكن ينقضي في ثلاثة أيام، ولا أربعة حتى يقال: إنه كان يقول: اليوم أسافر، غدًا أسافر.
بل فتح مكة وأهلها وما حولها - كفار محاربون له - وهي أعظم مدينة فتحها، وبفتحها ذلت الأعداء، وأسلمت العرب، وسرى السرايا إلى النواحي ينتظر قدومهم، ومثل هذه الأمور مما يعلم أنها لا تنقضي في أربعة أيام، فعلم أنه أقام لأمور يعلم أنها لا تنقضي في أربعة، وكذلك في تبوك (1) .
تعقيب:
(1) الفتاوى 24/136.