فهرس الكتاب
وحينئذ يكون مناط الحكم هو المعنى والوصف ما دام الإنسان مسافرا مفارقا لوطنه فأحكام السفر في حقه باقية ما لم يقطعه باستيطان، أو إقامة مطلقة، وأنت لو سألت المغتربين من أصحاب هذه الحال: هل نويتم الاستيطان أو الإقامة المطلقة لقالوا: لا وإنما ننتظر انتهاء مهمتنا فمتى انتهت رجعنا إلى أوطاننا سواء انتهت في الوقت المقرر أم قبله فليس لنا غرض في الإقامة في هذا المكان أو البلد وإنما غرضنا الأول، والأخير الحصول على مهمتنا، فهم مشابهون في القصد لأصحاب الحال الثانية، وإن كانوا يختلفون عنهم بتحديد مدة الإقامة التي قد علم بمقتضى الأدلة السابقة أنها ليس مناط الحكم، ولهذا جعل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - الحكم فيهما واحد كما نقله عنه تلميذه ابن مفلح في كتاب الفروع.
وبهذا يتبين لك الفرق بين أصحاب هذه الحال والحال الأولى، لأن أصحاب هذه الحال لم ينووا الإقامة إلا لهذا الغرض أما أصحاب الحال الأولى فقد نووا الإقامة المطلقة إلا أن يحصل لهم ما يقتضى الخروج. والفرق بين من يريد الإقامة إلا أن يحصل له ما يقضتى الخروج، وبين من يريد الخروج لولا ما يقتضى الإقامة فرق ظاهر لمن تأمله.أ.هـ (1) .
تعقيب:
للجواب عن هذا أقول:
قوله - وفقه الله - فلما ثبت قصر النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الأحاديث مع اختلاف المدد التي أقامها علم أن تحدي المدة التي ينقطع بها حكم السفر بأيام معلومة قول ضعيف، ولو كان الحكم مختلفًا بين مدة وأخرى لبينه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته لئلا يتأسوا به فيما لا يحل لهم.أ.هـ.
(1) ص7 من رسالته المخطوطة.