الصفحة 88 من 114

قلت: في هذا نظر، لأن اختلاف مدة إقامته - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح وفي تبوك لا أثر لها فيما احتج بهما عليه؛ لأنهما إقامتان على نمط واحد، فإحداهما تؤكد الأخرى. وذلك أنه أقام بسبب متطلبات الجهاد، وليستا إقامة مقصودة من قبل معلومة البداية ومعلومة النهاية. لما عرف من حال المجاهد أنه لا يعرف ما سيواجهه من الأحداث. بخلاف إقامته - صلى الله عليه وسلم - بمكة عام حجة الوداع، فإنها إقامة مرادة من قبل معلومة البداية والنهاية، لما علم من معرفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالطريق بين مكة والمدينة، وكم من الزمن يحتاج المسافر لقطعه، ولمعرفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببداية وقت الذهاب إلى منى قبل أن ينشئ السفر من المدينة.

فملا وجد هذا الاختلاف بني الأحاديث حمل الجمهور كل حديث على ما دل عليه، ولم يسووا بينها، ثم وفقوا بين هذه الأفعال، وبين ما ثبت بالكتاب والسنة القولية، من أن القصر والفطر إنما يشرعان للمسافر دون المقيم، وبما أن السفر والإقامة حالتان تعرضان لشخص واحد، فلا بد من وضع فاصل بينهما. وقد جاءت إقامات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفره متنوعة بعضها مقصودًا معلوم البداية والنهاية، وبعضها غير مقصود، ولا معلوم البداية ولا النهاية، فخص الجمهور من أحكام المقيم تلك الحالات التي فعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وألحقوها بأحكام السفر، وبقي ما عداها داخلًا في أحكام المقيم لما علم في أصول الفقه من أنه لا عموم للأفعال إذ لا يصح التسوية بين ما ثبت فيه الفعل، وما لم يثبت فيه الفعل. والله أعلم.

أما قوله: فلو كان الحكم مختلفًا بين مدة وأخرى لبينه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته لئلا يتأسوا به فيما لا يحل لهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت