الوجه الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسافر ليقيم مدة معينة لعمل معين، بل إن أحوال هذه الغزوات اقتضت هذا النوع من الإقامة، بخلاف من سافر ليقيم مدة معينة لعمل معين، فإن سفره وسيلة لإقامته، بخلاف حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو لم يسافر ليقيم، بل سافر ليجاهد، وليس من مستلزمات الجهاد الإقامة بمكن معين، بل هو الكر والفر، فإقامته وسيلة لتحقيق مقتضى سفره.
الوجه الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سافر للجهاد، وليس من لوازم مجاهدة العدو إنجاز عمل معين، بل هذا خاضع لظروف العمل الجهاد، وليس بإمكان القائد عند انشاء سفره تحديد ما سينجزه، بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دعا إلى غزوة تبوك أعلن عن وجهته، لأخذ العدة لمقابلة العدو في ساحة الوغى، ولكن الله أراد غير ذلك إذ لم يتم الإلتقاء بين الجيشين لعدم قدوم الروم إلى أرض الجزيرة بل بقوا بحمص، ولذا بقى - صلى الله عليه وسلم - بتبوك من أجل إظهار قوة المسلمين، كما قام بإرسال بعض القادة لاخضاع بعض النواحي، فهذا العمل الجهادي يختلف عم مثل به الشيخ لما أفتى به، إذ أ، من يقيم في دار الغربة للدراسة، أو يقدم لعمل معين، فإن ما قصد تحقيقه يلزم له إقامة مدة معينة معلومة البداية، ومعلومة النهاية، بخلاف حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوتي مكة وتبوك.
الوجه الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقصد إقامة مدة معينة معلومة البداية ومعلومة النهاية، بخلاف من سافر للدراسة أو للعمل، فإن هؤلاء وأمثالهم سافروا ليقيموا مدة معينة، فإذا اختلفت المقاصد، لم يحصل صحة الاستدلال.
ومن الذي يستطيع أن يجزم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد حدد يوم سفره حينما أقام أو أثناءها، والظاهر من حاله - صلى الله عليه وسلم - أنه لما رأى أن الأهداف قد تحققت أذن بالرحيل.