والواجب أن ترتب الأحكام على مسمياتها، حيث رتبها الشارع إذ لا يصح أن تعطى أحكام المسافر للمقيم، ولا العكس، إلا أنه لما جاءت أحاديث فخصت بعض الإقامات وألحقتها بالسفر، قال بها لجمهور، ولم يعمموا ذلك على كل ا يقطع مواصلة السفر من أنواع الإقامات، وهذا هو الجمع الذي تبرأ به الذمة، والمتفق مع أصول الفقه، لأنه لا يجوز الأخذ بالأفعال دون الاستدلال بالأقوال، بل الواجب التوفيق بينها إذا أمكن.
قال ابن حزم - رحمه الله - أما الإقامة في الجهاد والحج والعمرة، فإن الله تعالى لم يجعل القصر إلا مع الضرب في الأرض، ولم يجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القصر إلا مع السفر لا مع الإقامة، وبالضرورة ندري أن حال السفر غير حال الإقامة، وأن السفر إنما هو التنقل في غير دار الإقامة، وأن الإقامة هي السكون، وترك النقلة، والتنقل في دار الإقامة، هذا حكم الشريعة والطبيعة معًا. فإذا ذلك كذلك فالمقيم في مكان واحد مقيم غير مسافر بلا شك، فلا يجوز أن يخرج عن حال الإقامة، وحكمها في الصيام والإتمام إلا بنص، وقد صح بإجماع أهل النقل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل في حال سفره، فأقام باقي نهاره، وليلته، ثم رحل في اليم الثاني، وأنه عليه السلام قصر في باقي يومه ذلك، وفي ليلته التي بين يومي نقلته، فخرجت هذه الإقامة من حكم الإقامة من حكم الإقامة في الإتمام والصيام، ولولا ذلك لكان ميم ساعة له حكم الإقامة…إلخ (1) .
ولذا فإن الدليل الذي طلبه الشيخ هو عدم صحة وجه الدلالة من الدليل الذي اعتمد عليه.. لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسافر عام الفتح، وفي غزوة تبوك ليقيم، فكيفي يصح الاستدلال به على من كان سفره من أجل إقامته شهرًا أو أقل أو أكثر. والله أعلم.
(1) المحلى 5/24.