وأما آية الدين فما أجمعها لأحكام المعاملات وأكثر فوائدها، فإن الله أرشد عباده إلى حفظ أموالهم ونظامها في المعاملات، وإلى تحريرها بالكتابة والشهود وضبطها بالوثائق، وذكر الطرق وأرشد إلى سلوكها ويسرها غاية التيسير ونفى كل ضرر وظلم فيها من الجانبين، وأمر بغاية العدل وهي من البراهين على أن دين الإسلام قد تكفل للبشر بصلاح دينهم ودنياهم، حيث أباح كل معاملة نافعة وحرم كل معاملة ضاره، وبين الطرق التي تحفظ بها وتضبط المعاملات والحقوق.
فمن فوائدها: جواز الديون كلها سواء كانت دين سَلَم، بأن يسلم الثمن ويكون المثمن مؤجلًا إلى أجل مسمى، أو دينًا مطلقًا كأن يشتري شيئًا حاضرًا بثمن في ذمته إلى أجل مسمى، لأن الله نسبه للمؤمنين وأقرهم عليه وهذا خاصية المباح.
ومنها: اشتراط العلم بالمبيع والثمن والأجل. أمَّا الأجل فمصرّح به في قوله: {إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} [البقرة:282] . وأمَّا علم الثمن والمثمن فمن باب التنبيه، إلى أنَّه إذا شرط العلم بالأجل الذي هو فرعه، فالأصل من باب أولى وأحرى.
ومنها: الأمر بكتابة الديون المؤجلة، والرخصة في ترك الكتابة في المعاملات الحاضرة، والحكمة في ذلك ظاهرة وهو الحاجة والضرورة في المؤجلة، والمشقة في الحاضرة المتكررة.
ومنها: الإرشاد إلى الإشهاد في المعاملات كلها حاضرة أو مؤجلة، وهي أعظم الوثائق وأنفعها وأوسعها.
وقد أمر بأعلى ما يكون فيها بإرشاد رجلين أو رجل وامرأتين من الشهود المرضيين بين الناس، وبَيَّن الحكمة في كون المرأة الواحدة لا تقوم مقام الرجل أنَّ ذاكرة الرجل أقوى من المرأة، فلهذا جبر هذا النقص بزيادة العدد، وبَيَّن الحكمة في ذلك بقوله: {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة:282] .