ومن ذلك: إخباره أنَّ سنته في خليقته في نظام العالم، وفي الأسباب والمسببات، و الجزاء بالحسنى وبالسوأى واحدة لا تتغير ولا تتبدل، وهي كلُّها جارية على مقتضى الحكمة التي يحمد عليها، وهذا مشاهد شرعًا وقدرًا.
وقد يُري عباده تعالى أنَّه يغير بعض المخلوقات عن نظامها المعتاد ليعرف العباد أنَّه المتفرد بالقدرة والتصرف، وأن جميع الحوادث خاضعة لمشيئته وقدرته، وأنَّ ما أخبرت به الرسل من أمور الغيب كلّها حق، ولكن أبى الجاحدون إلا أن ينكروا ما كان الله أخبر به على ألسنة رسله مما كانوا الآن يعقلون هم نظيره، فانقلب عليهم الأمر وقلب الله قلوبهم كما لم يؤمنوا به لمّا جاءهم، واستكبروا بعقولهم على الحق.
ومن أعظم علوم الغيب التي أخبر بها القرآن وأبداها وأعادها، أنَّّّّه أخبر أنَّه لا سبيل إلى صلاح البشر وسعادتهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة إلا باتباع هذا الدين والأخذ بإرشاده وهدايته. وهذا الأمر لا يستريب فيه أحدٌ، فإنَّ هذه الأمة في عصر الخلفاء الراشدين والملوك الصالحين لمّا كانوا مهتدين بعلمه وإرشاده وتربيته الخالصة والعامة صلحت دنياهم كما صلح دينهم، وصاروا المثل الأعلى في القوة والعزة والعدل والرحمة وجميع الكمالات المستعد لها البشر.
ثم لمّا ضيعوا هدايته العلمية والعملية تحلَّلوا وانحلُّوا، ولم يزالوا في نقص وضعف وذلة حتى يراجعوا دينهم، ثم في مقابلة ذلك من العجب العجيب الذي ليس بغريب ارتقاء الأمم الأخرى، في هذه الأوقات في الصناعات المدهشة، والاختراعات الخارقة المعجزة والقوة الضخمة أنَّهم لم يزدادوا بها إلا شقاء، حتى صارت حضارتهم التي يعجبون بها ويخضع لها غيرهم مهددةً كلَّ وقت بالتدمير العام.