فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 104

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين, سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

وبعد ...

لقد كثر الحديث عن حتمية تطبيق النظام الديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط وإشاعة قيم الحرية والديمقراطية في مجتمعاته - حسب ادعاء الرئيس الأمريكي وإدارته - ومن ثم تبعهم الببغاوات والمرتزقة في العالم الإسلامي بالمطالبة بشجب التوجه الجهادي لتغيير واقع المسلمين المهين, وتنادي بضرورة اللجوء إلى الطرق السلمية عبر تطبيق الديمقراطية والدخول في المجالس النيابية وإنشاء الأحزاب الرسمية لتحقيق هذا الهدف, مع استخدام الطرق المشروعة في التعبير عن الرفض بالخروج في مظاهرات سلمية ... إلخ.

وقبل الخوض في معنى كلمة الديمقراطية أو الحكم الشرعي فيها نتساءل:

أولًًا: أي نوع من الديمقراطية الذي سيطبق في بلادنا: هل هي الديمقراطية على الطريقة الأمريكية أو الأوروبية أو الآسيوية أو ديمقراطية العالم الثالث؟

ثانيًا: إذا كان كبار المفكرين والفلاسفة والمنظرين قد اختلفوا اختلافًا بينًا في مفهوم الديمقراطية وإمكانية تطبيقها, والغالب الأعم منهم يعتقدون باستحالة تطبيق النظام الديمقراطي بحيث تحكم الأغلبية من الشعب الأقلية منه, فما هو مفهوم الديمقراطية الذي سنتفق عليه وما هي المنهجية في التطبيق:

هل سيتم إقرار نظام واحد لكل الدول الإسلامية أم أن كل دولة ستختار النظام الديمقراطي الذي يناسبها؟!

ثالثًا: ماذا حققت الأحزاب والجماعات الإسلامية التي آمنت بالنظام الديمقراطي وأسست أحزابًا سياسية رسمية ودخلت من خلالها المجالس النيابية وغيرها منذ عقود من الزمان, هل استطاعت أي جماعة أو حزب منها أن يحقق شيئًا من وعودها الطنّانة والأماني المعسولة التي خدّرت بها الجماهير طوال تلك الفترة؟!

رابعًا: هل الديمقراطية مجرد إجراء الانتخابات العامة أو الرئاسية بشفافية ونزاهة - كما يحلو للبعض هذا الوصف - أم أنها نظام متكامل بمؤسساته الدستورية وأركانه الأصلية التي لا تقوم الديمقراطية المزعومة إلا عليها, وهل ما حدث في العراق وأفغانستان من انتخابات حوّل هذين البلدين إلى نموذج ديمقراطي يحتذى كما يتشدق به البعض؟!

ثم هل هناك وعي سياسي وثقافي ومعنوي لدى شعوبنا حتى تستطيع أن تستوعب القيم الديمقراطية المفترضة والتي لم يفهمها مشرعوها أنفسهم وأثبتت فشلها في المجتمعات الأكثر تقدمًا وثقافةً وعلمًا من مجتمعاتنا حتى نسوقهم ونجبرهم على تجرعها كالمريض الجاهل الذي لا يعرف ماهية المرض الذي عنده ولا طريقة العلاج أو خاصية الدواء الذي يتجرعه؟

وأخيرًا: هل وصلنا إلى مرحلة الترف الاقتصادي حتى تتفرغ شعوبنا لتعلم دروس الديمقراطية والحقوق السياسية للحاكم والمحكومين - رجالًا ونساءً - ونشغل أوقات فراغهم وهم الذين يلهثون وراء توفير أدنى متطلبات الحياة الإنسانية الكريمة؟!

والهدف من هذه الوريقات ليس استقصاء أقوال العلماء في معنى الديمقراطية وحكم الشرع فيها, ولا استعراض النظم الديمقراطية المتعارفة شرقًا وغربًا, ولا إيراد أقوال بعض من كانوا يؤمنون بالديمقراطية وخاضوا غمار الانتخابات ودخلوا المجالس النيابية ثم كفروا بكل ذلك بعد أن عاينوا بأنفسهم استحالة التغيير عن طريق الديمقراطية أو تحقيق مجتمع العدل والمساواة والتكامل الاجتماعي.

وإنما الهدف منها هو إجلاء بعض النقاط التي قد تكون خفيت على من سبقوني في الكلام عن الديمقراطية من العلماء المخلصين وطلاب العلم النابهين, وذلك من خلال مناقشة التطبيق العملي للديمقراطية في المجتمعات التي أخذت بها, خاصة بعد التلبيس الذي سببه بعض من أفتوا بجواز خوض الانتخابات, بل وصل حد التضليل إلى اعتبار دخول المجالس النيابية من أعظم القربات وأفضل الجهاد, وإفتاء البعض بجواز صرف أموال الزكاة على الحملات الانتخابية للمرشحين الإسلاميين على اعتبار أن ذلك"في سبيل الله"وهو من مصارف الزكاة!

أما الصحفيون الموجهون والكتاب المغرضون ومن خلفهم رعاع الناس فتسمع منهم ما يدل على الجهل المطبق بأحكام الشريعة الإسلامية وما يتعلق بمسائل العقيدة والحاكمية والولاء والبراء, وكما نسبوا زورًا بعض الصحابة - رضي الله عنهم - إلى الاشتراكية سابقًا فقالوا"اشتراكية أبو ذر"، فها هم الآن يخلطون بين النظام الديمقراطي والشورى في الإسلام, ويستدلون ببعض الحوادث الفردية التي وقعت بين بعض الصحابيات مثلًا وأمير المؤمنين عمر ليصفوه رضي الله عنه بأنه كان ليبراليًا! وأن سيدنا على بن أبي طالب رضي الله عنه كان ديمقراطيًا! وليستدلوا بتلك المواقف على إعطاء الإسلام المرأة الحرية في التعبير والاختلاط بالرجال والاشتراك في الحياة السياسية بل القتالية ... إلى غير ذلك مما نسمعه ونقرؤه عبر وسائل الإعلام المختلفة.

ولقد أثبتت الأحداث الساخنة والمتسارعة في الغزو الصليبي للعراق, ومواقف الجانبين: الصليبي والمسلم, صحة ما خلصنا إليه في نهاية هذه السطور:

فهل أغنت الشرعية الدولية والالتزام بالديمقراطية في التعبير عن الرفض للنوايا الصليبية المفضوحة في احتلال العراق, هل أغنت عن الشعب العراقي شيئًا؟!

وهل منعت المظاهرات الحاشدة في جميع أنحاء العالم التدمير الأمريكي البريطاني الصليبي للعراق بما أعاده إلى القرون الوسطى؟!

ولماذا تغير الموقف الأمريكي المتغطرس الرافض لأي دور للأمم المتحدة ومجلس الأمن المزعوم, إلى استجداء دول العالم لإرسال قوات إلى العراق, وجمع كافة الأطراف العراقية بالقوة للتوقيع على ما يسمى"الدستور الانتقالي"؟!

هل تم ذلك بسبب تحرك سياسي عبر القنوات الديمقراطية, أو خوف من الرأي العام العالمي والتزام بـ"الشرعية الدولية"المزعومة؛ أم بسبب المقاومة الباسلة لأهل السنة من العراقيين وأنصارهم من المجاهدين القادمين من شتى بقاع المعمورة؟!

وختامًا ...

اسأل الله عزّ وجلّ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفق المسلمين لفقه كتابه وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم وأن يعملوا بهما, وأن يمكّن للمخلصين من عباده المجاهدين في سبيل إعلاء كلمته.

تأليف؛ عبد الهادي مصطفى

الطبعة الأولى، 1426 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت