فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 104

فالحرية في المفهوم الديمقراطي - كما يتضح لنا: تعني الإباحية الفردية والجماعية المقننة مهما كانت مخالفة للتعاليم السماوية والأخلاق والأعراف, في غير ما يتعارض مع مصلحة النظام الحاكم, فإن تعارضت معها ديست كل القوانين والدساتير التي تضمن تلك الحريات بالنِّعال وطبقت قوانين الطوارئ بدعوى المحافظة على الأمن القومي, مثلما حدث بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001, في أمريكا وجميع الدول الأوروبية والعالم"الديمقراطي"المتحضر المزعوم, من إعطاء الصلاحيات المطلقة لقوى الأمن في التوقيف والمساءلة والحبس لمدد طويلة بدون توجيه تهمة محددة, والتجسس على الهواتف وتقييد الحريات العامة في التنقل, وتركيب كاميرات مراقبة في الشوارع والميادين العامة تعمل على مدار الساعة, تتجسس على تحركاتهم ومقابلاتهم, حتى وصل عدد تلك الكاميرات في بريطانيا وحدها أكثر من أربعة ملايين كاميرا ... إلخ.

بل حتى في نطاق ما يسمونها الحرب العالمية على"الإرهاب"يستخدمون"الإرهاب"للدول الأعضاء في المنظمات الدولية من ضرورة تقديم تقارير مفصلة عن نشاطها في تجميد أرصدة الأفراد والهيئات التي تتهمها أمريكا بـ"الإرهاب)، والإجراءات التي اتخذت لمنعهم من السفر ... إلخ, وإلا ستواجه هذه الدول العقوبات السياسية والاقتصادية من مجلس الأمن ذي القرارات التفصيل!"

والعدالة: (إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ) .

يقول المحامي الأمريكي"رمزي كلارك": (لا شك في أن المال يتكلم في المحاكم الأمريكية، ولننظر إلى عقوبة الإعدام فإننا في أمريكا لم نعدم رجلًا غنيًا في تاريخنا، ونعدم أربعة أشخاص كل أسبوع من الفقراء. وأن القضاء منحاز إلى الأغنياء لأن كلفة المحامين في أمريكا هائلة ... !) [4] اهـ

وفي بريطانيا"أم الديمقراطية"تم إنفاق 255 مليون جنيه استرليني على مدار سبع سنوات ورغم ذلك لم تستطع الحكومة التوصل إلى السبب في قتل 13 بريطانيًا على أيدي قوات الأمن البريطانية! فأي عدالة يتحدثون عنها!

وهذا لا ينطبق على المستوى الفردي داخل كافة المجتمعات التي توصف منها بالتقدم أو التي توصف بالتخلف فقط؛ بل على المستوى العالمي داخل المنظمات الدولية التي يدّعون أنها حصن العدالة والسلام العالميين والقائمة على أسس ديمقراطية تراعي قرار الأغلبية؛ كالأمم المتحدة ومجلس الأمن ومنظمة العفو الدولية ومحكمة العدل الدولية حيث نرى أبشع صور هضم حقوق الشعوب المستضعفة, والسكوت عن جرائم الدول الاستكبارية وعلى رأسها أمريكا والكيان الصهيوني في فلسطين.

والمساواة بين الرجل والمرأة, والأبيض والأسود, والمسلم وأتباع الديانات الأخرى, يكذّبها واقع المجتمعات الديمقراطية العريقة خاصة حاملة اللواء"أمريكا"وأم الديمقراطية"بريطانيا)."

فالتفرقة العنصرية بين البيض والسود لا تحتاج لبيان ويذكر أنه ورد في الوثائق السرية التي نشرت في بريطانيا بعد مرور ثلاثين عامًا عليها, اتضح أنه كان هناك حظر لسنوات طويلة لدخول"غير البيض"إلى الجيش البريطاني حيث كان يتم تسجيل العرق الذي ينتمي إليه المجندون الجدد منذ عام 1957 وحتى أواخر السبعينيات من القرن الماضي, ولذا فإن نسبة المجندين"غير البيض"لا تزيد عن 2 % في الجيش البريطاني, ومن الصعب جدًا - إن لم يكن مستحيلًا - تغيير ثقافة الشعب البريطاني حتى يتم قبول الملونين كمواطنين يتمتعون بكامل حقوق المواطنة!

ويعاني الغجر الذين يبلغ تعدادهم أكثر من 12 مليونًا من البشر في أوروبا المتحضرة الديمقراطية! يعانون من افتقاد أدنى مقومات المواطنة والحريات الإنسانية, ولا فرق في سوء معاملتهم بين أوروبا الشرقية أو الغربية في الإهمال والدونية في التعامل.

بل في داخل الدولة الواحدة هناك تفرقة بين أفراد الشعب رغم أنهم ينتمون لعرق واحد ولون واحد - كما يحدث في ألمانيا - حيث يعاني سكان الجزء الشرقي الذي كان تحت الحكم الشيوعي سابقًا من الإهمال رغم مرور أكثر من 15 سنة على إزالة سور برلين, ويبلغ معدل البطالة في الجزء الشرقي ضعفه في جزئها الغربي, والناس هناك يتحسرون على أيام الحكم الشيوعي!

والمساواة بين الرجل والمرأة يكذبها التفرقة بينهما في الوظائف, وفي الرواتب والأجور, رغم الحصول على نفس الدرجات العلمية في أمريكا بالذات.

فهي مساواة كاذبة زائفة, لا يريدون من الترويج لها بين شعوبنا إلا التغرير بالمرأة المسلمة للتنصل من طبيعتها وفطرتها, ودفعها للثورة على النظم والتقاليد الإسلامية والاجتماعية والأسرية, وقوانين الدول ودساتيرها تحمي هذا الحق المزعوم.

ومعلوم أن الديمقراطية تقوم على مبدأ المساواة - في الحقوق والواجبات - بين جميع شرائح وأفراد المجتمع - كما يدّعون - بغض النظر عن انتماءاتهم العقدية والدينية، والسيرة الذاتية لأخلاق الناس؛ فيستوي في نظر الديمقراطية أكفر وأفجر وأجهل الناس مع أتقى وأصلح وأعلم الناس في تحديد من يحكم البلاد والعباد، وغيرها من الحقوق والواجبات ... !

وهذا النوع من المساواة لا شك في بطلانه وفساده؛ لمساواته بين الحق والباطل، وبين المتضادين المتناقضين، ومغايرته ومخالفته لكثير من النصوص الشرعية المحكمة، كما في قوله تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ} ، وقال تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} ، وقال تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} ، وقال تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} .

وغيرها كثير من النصوص التي تدل على أن الفريقين لتناقضهما - في الاعتقاد والدين والخلق والسلوك - لا يمكن ولا يجوز أن يستويا، ومن يقول بخلاف ذلك لزمه تكذيب القرآن الكريم، وهذا عين الكفر البواح.

جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: (أن من لم يفرق بين اليهود والنصارى وسائر الكفرة وبين المسلمين إلا بالوطن، وجعل أحكامهم واحدة فهو كافر) [5] .

وللتدليل على صحة ما ذهبنا إليه نلقي نظرة على واقع المجتمع الأمريكي من خلال تطبيق آيات القرآن التي وصفت جرائم الأمم السابقة منفردة وقد تجمعت في المجتمع الأمريكي وزاد عليها, وكل جريمة منها كفيلة بأن يحل عليها ما حل بالأمة التي اقترفتها, وذلك لنعلم مدى حلم الله على هذه الأمة الكافرة المتجبرة, وحتى لا نأسى عليها إن أصابتها قارعة أو أصابت من تشبه بها أو سارعلى نهجها وأطاع أمرها.

[4] عن مجلة المشاهد السياسي، عدد 6615 - 21/حزيران/1997، ص 11 - 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت