بدأ التطبيق الديمقراطي الحقيقي - كما يدَّعون - في 16/نوفمبر/عام 1988 عندما تولت"بينظير بوتو"- وكلمة بينظير تعني لا نظير لها - زعيمة"حزب الشعب"رئاسة الحكومة, وسط هالة من التمجيد والتهليل الدولي كأول رئيسة وزراء في العالم الإسلامي, وتلميع إعلامي لها كنصيرة للفقراء, ومدافعة عن حقوق الإنسان والمرأة, ومحاربة للفساد والبيروقراطية, وهيمنة العسكر على الحكم.
ثم أقيلت وزارتها بعد 22 شهرًا فقط من الحكم بتهم ثلاث؛ الفساد, وسوء الإدارة, ومخالفة الدستور، ولكنها كانت قد استطاعت هي وزوجها وشركاؤهما الثراء الفاحش واستنزاف موارد البلاد خلال تلك الفترة الوجيزة, فانطبق عليهم قول الله عزَّ وجلَّ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} .
ثم جاء نواز شريف وحزبه"الرابطة الإسلامية"للمرة الأولى للسلطة في 6/نوفمبر/1990 بسياسة لصالح الرأسماليين والإقطاعيين, وسلك نفس المسلك, ثم لما اشتد الخلاف بينه وبين رئيس الدولة حول سلطة الرئيس في إقالة الحكومة وحل البرلمان أقاله الرئيس في 26/أبريل/1993, ثم تدّخل الجيش وأجبر الاثنين على الاستقالة بعد فترة حكم استمرت أقل من ثلاث سنوات زادت فيها ثروة نواز شريف الشخصية بنسبة 800 % بينما زادت في خلال عشر سنوات بما فيها تلك الفترة بنسبة 3600 %.
ثم عادت بينظير بوتو للحكم مرة ثانية في 19/أكتوبر/1993! ثم أقيلت للمرة الثانية في 5/نوفمبر/1996 بنفس التهم الثلاث، وأضيف إليها؛ نشر ثقافة وقيم فاسدة في المجتمع, وفشل الحكومة في معالجة مشكلتى البطالة والتضخم, وزيادة الضرائب بشكل كبير, وانتهاج سياسة اقتصادية فاشلة أدت إلى ارتفاع القروض والائتمانات التي حصلت عليها وأعضاء حزبها والمنتفعون من حكمها من البنوك ومراكز التمويل الحكومية حتى وصلت إلى 140 ألف مليون روبية - قرابة 5 آلاف مليون دولار -
ثم يعود نواز شريف مرة ثانية للحكم بعد انتخابات عام 1997، والتي حصل فيها حزبه منفردًا على أكثر من ثلثي مقاعد المجلس النيابي، حتى وقع الانقلاب عليه من قبل رئيس الجيش آنذاك والرئيس الحالي الجنرال برويز مشرف في أكتوبر/عام 1999.
وانتهى الأمر بإبعاد نواز شريف وأفراد عائلته إلى إحدى الملاذات الآمنة التى تعد لأمثاله من السياسيين الفارين أو المنفيين، حيث يتمتعون بعيشة الملوك رغم أنهم كانوا يستحقون الإعدام!
وللدلالة على مدى الانهيار الاقتصادي الذي حدث في باكستان على أيدي"الحكومات الديمقراطية"؛ نذكر أن سعر صرف الدولار بالنسبة للروبية الباكستانية ارتفع من 19 روبية للدولار الواحد عام 1988 إلى 41 روبية عام 1997، ثم إلى 60 روبية عند الانقلاب العسكري عام 1999, وإن كان هذا المقياس يشوبه كثير من الخداع، لأن الدول والحكومات الغربية تتدخل لحماية الأنظمة الموالية لها فتحافظ على العملات المحلية عند سعر صرف معين دون سعرها الحقيقي الذي يرتبط بقوة اقتصاد الدولة، كما حدث مع العملة المحلية الأفغانية - الأفغاني - في ظل الحكومة الانتقالية الحالية حيث كان الدولار الأمريكي الواحد في زمن الإمارة الإسلامية يعادل حوالي 60000 أفغاني بينما صار الآن يعادل 50 أفغانيًا فقط! وبذلك يستطيع الغرب القضاء على أي حكومة تأتي معارضة له ولا تحقق أهدافه، كما حدث في العراق بعد حرب الخليج الثانية مما يعرفه الاقتصاديون.
ويذكر أنَّ عدد سكان باكستان الآن 145 مليون نسمة، يعتمد 80 % منهم بشكل مباشر على الزراعة كمصدر وحيد للدخل، يعانون أشد صور الابتزاز من قبل الجمعيات الزراعية والبنوك المحلية والإقطاعيين وكبار التجار, ولذا فإن 60 % من أفراد الشعب يعيشون تحت خط الفقر، ولا يحصل 20 % من فقراء الشعب الباكستاني إلا على 3.7 % من إجمالي الناتج القومي, في حين يحصل الـ 20 % الأغنياء على 42.3 % منه, والفجوة تتسع يومًا بعد يوم بين الفقراء والأغنياء.
وفي الوقت الذي تخصص فيه الحكومة 30 % من الميزانية العامة للجيش البالغ تعداده نصف المليون فقط؛ وهذا هو الرقم الرسمي المعلن، أما الفعلي فهو أكبر من هذا بكثير, فخيرات البلد ومقدراته لا يتمتع بها إلا كبار قادة الجيش - وهم ثلة من الضباط البنجابيين والشيعة - الذين يسيطرون على القوات المسلحة, نجد أنها على الجانب الآخر تخصص أقل من 2 % من الميزانية للتعليم, و 2 % للقطاع الصحى والصحة العامة للشعب كله!
والآن لنلق نظرة على ما حققه تجمع الأحزاب الإسلامية الرسمية الذي يسمى"مجلس العمل المتحد"- متحدة مجلس عمل - في الانتخابات العامة التي أجريت في أكتوبر عام 2002, والذي يضم ستة أحزاب من بينها حزب"تحريك نفاذ فقه جعفرية"الشيعي!
لقد خرج هذا المجلس من معركة تشكيل القيادة العامة للدولة صفر اليدين، حيث حصل الحزب الموالي للرئيس على أغلبية المقاعد في مجلسي الشيوخ والنوّاب, وبالتالي رئاسة المجلسين, وعلى تشكيل الحكومة المركزية, وعلى حكم أكبر وأهم ثلاثة أقاليم في الدولة؛ سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا وتجاريًا وتعدادًا للسكان, وهي أقاليم؛ السند والبنجاب وبلوشستان, إما منفردًا وإما بالائتلاف مع بعض الأحزاب العلمانية الصغيرة, والمستقلين ظاهريًا, بينما لم يحصل مجلس العمل المتحد إلا على حكم الإقليم الشمالي الغربي - سرحد - الذي لا يمثل أي ثقل لا من الناحية السياسية ولا من الناحية الاقتصادية وتتحكم فيه الحكومة المركزية تمامًا.
وهكذا ضاعت أموال المسلمين التي تبرعوا بها دعمًا لمجلس العمل خلال الحملة الانتخابية, وتبخرت جهودهم التي بذلوها في الدعاية وتجميع الأصوات لمرشحي المجلس, وأوقاتهم التي ضيَّعوها في متابعة الاجتماعات المكوكية لقادة مجلس العمل مع قادة الأحزاب الأخرى في محاولة لتشكيل حكومة ائتلافية ولكن هيهات.
والمؤسف فيما حدث خلال الحملة الانتخابية وما بعدها؛ كان هو ذلك التهافت على التحالف أو التنسيق مع الأحزاب العلمانية لتشكيل حكومة مركزية ائتلافية, ثم أداء حكومة مجلس العمل المتحد في الإقليم الشمالي الغربي طوال السنوات الثلاث الماضية والذي جاء مخيبًا لآمال الجميع ليقال بعد ذلك أن الطرفين الإسلامي والعلماني وجهان لعملة واحدة! ولتنهال السهام على أحكام الشريعة باسم حرية التعبير واحترام رأي الآخرين مهما كان شاذًا أو مناقضًا للإسلام جملة وتفصيلًا!
ويتفرغ الآن قادة المجلس بقيادة ما يسمى بالمعارضة؛ لتحريض الناس على الخروج في مظاهرات كلما حدثت شاردة أو واردة، ولذلك لا تجد تلك الدعوة تجاوبًا كبيرًا من الجماهير, بعد أن سائموا من كثرة المظاهرات التي لا تأتي بفائدة وتضيع وقتهم وجهدهم وأموالهم, ولا تخلو الصحف اليومية تقريبًا من صورة زعماء المجلس والمعارضة وهم يخرجون من قاعة مجلس النواب احتجاجًا على تصرفات رئيس المجلس أو الحكومة أو أي شيء لا يعجبهم في منظر يدعو للأسى والأسف على الوضع الذي آلت إليه الأوضاع السياسية في باكستان!
"إنَّ الغاية لا تبرر الوسيلة"؛ فليس معنى أننا نسعى لتولي السلطة أن نتحالف مع أحزاب سيئة السمعة فنسيئ إلى سمعتنا!
يجب ألا نتشبه بمن قال الله سبحانه وتعالى عنهم: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَاتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَاخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} .
وإنما يجب أن نكون ممن قال الله سبحانه وتعالى فيهم: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} .
فهذه نماذج للديمقراطية في ست من أكبر وأقدم الدول الإسلامية تطبيقًا لها - على ما نظن - ولن نتطرق لذكر الديمقراطية التي تطبق في بقية الدول الإسلامية.