الصفحة 14 من 47

فصل

في ذكر ما استدل به المُجيز من كلام الله ووجهِ استدلاله

وقد استدل مجيز الاحتكام إلى الطواغيت للمضطر عند غياب حكم الله، بقول الحق سبحانه وتعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52) } [النور] .

وجه الاستدلال:

في الدلالة من الآيات يقول:(فـ «المُكَفِّرُ لِذَاته» علّق ـ في هذه الآية الكريمة ـ؛ بوجود حُكم اللَّه تعالى ثمَّ «التَّولي» أو «الإعراض» عنه، وبهذا القيد ـ المخصّص للسَّببية ـ والذي أظهرته «الآية الكريمة» ، تعلم أنَّ مَن قال بعدم استرجاع الحقوق واستخلاص سلبها من الظالم؛ لعدم وجود حكم اللَّه، وظنَّ ذلك من تحقيق التَّوحيد، قلنا له: هذا عينُ الغُلوّ والعُتوّ في إخراج المَنَاط عن أصله، الذي وضعه المولى سبحانه وتعالى بنفسه، وتعدي عليه ـ بذاك الادّعاء ـ، والاصطباح في صفرة «الصُّفرية» و «الأزارقة» ، والتَّشبع بالتَّبدَّع، فليس فيه تحقيق توحيد، وإنما شبهة عنيد، لا يرضى ما رضاه اللَّه من المَطلب، ويريد أَن يزيد في المَسْلَب!!

كيف وما جاءت الشريعة المنزَّهة إلَّا لاستخلاص الحقوق من غاصبيها؟! فمَن رجع لقانون «وضعي» ، أو سَلُوم «قبلي» ، في استخلاص حقّه ـ والشّريعة لم تكن حاكمة ـ فلا حرج في ذلك ألبتة، فهذا مضطر له حكم الاضطرار)انتهى بحروفه.

قلت: وهذا الاستدلال قد سُبِق إليه هذا المستدل، وقبل تبيان ما فيه، فيحسن التقديم بأربعة مقدمات مختصرات ممهدات بين يدي المراد.

المقدمة الأولى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت