العلامة المعلمي رحمه الله: (اعلم أن الأفهام تختلف، وتأثير الأدلة والشبهات في النفوس يختلف باختلاف العقول والأهواء وغير ذلك، فكم من معنى هو عند بعض الأئمة حجة قوية، وعند بعضهم حجة ضعيفة، وحسبك بأن الصحابة وأئمة التابعين اختلفوا في مسائل كثيرة، وربما لم يقدر أحدهم على إقناع الآخر مع أنهم أبعد الناس عن الهوى، وأسرعهم إلى الحق إذا تبين، أو لم يبلغك محاورة أمير المؤمنين علي عليه السلام [1] مع ابن عباس رضي الله عنهما في متعة النكاح حتى قال لابن عباس:"إنك امرؤٌ تائه!".
ومع ذلك لم يستطع أحدهما إقناع الآخر، فاحذر أن تعجل فتحكم على مخالفك بأنه معاند بسبب أنك ترى شبهته ضعيفة، وترى الحجة التي أقمتها قطعية أو كالقطعية، وعليك أن تتأنى وتتريث في الحكم حتى لا يبقى لديك في عناده أدنى تردد .. [2] .
أن القول بحرمة التحاكم إلى الطاغوت عند غياب حكم الله، وكونه كفرًا لا يرخص فيه إلا لمكره، لا ينبغي أن يحملَ الناظرَ مشقةُ موجَبه، وثقل تبعته، على العدول عنه لمجرد ذلك، ولا أن يجنح به طلب الملائم للنفس إلى التشبث بواهي الاستدلالات، وتطلب الترخص والمخرج من غير بابه، وهتك حجاب الشِّرعة! وإبعاد النجعة! فالمسألة ديانة! وشوب الاختيارات فيها بأهواء النفوس خيانة! والله لا تخفى عليه خافية.
قال الشاطبي رحمه الله: (طالب المخرج من وجهه طالب لما ضمن له الشارع النجح فيه، وطالبه من غير وجهه قاصد لتعدي طريق المخرج، فكان قاصدًا لضد ما طلب، من حيث صد عن سبيله، ولا يتأتى من قبل ضد المقصود إلا ضد المقصود، فهو إذا طالب لعدم المخرج [3] .
وأيضًا فما كل ما شقَّ على النفس كان خلافه مشروعًا، وإلا لكان الهوى مشروعًا، إذ (مخالفة الهوى شاقة على صاحب الهوى مطلقًا، ويلحق الإنسان بسببها تعب وعناء، وذلك معلوم في العادات الجارية في الخلق [4] .
فلا بد من تمحيض النظر إلى الدليل، والاصطبار على أمر الله، والرضى بحكمه، واطراح الرغبات والشهوات، والتسليم التام المطلق لرب البريات.
(1) كذا في عبارة الشيخ والأولى عدم تخصيص علي رضي الله عنه بدعاء دون بقية الصحابة، وإن كان ما خص به من الدعاء مما اشتهر ذكره في حق النبيين والمرسلين فهذا معنى آخر يحتم الكراهة.
(2) رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله (ص 508) .
(3) الموافقات (1/ 536) .
(4) الموافقات (2/ 209) .