فهرس الكتاب
آتٍ مأتاه إلا مُعذِرًا من نفسه؟!
فغفرانك اللهم .. وعياذًا بك أن يحملنا غشمه على مجاراته .. أو ننحط بمقاولته إلى درك سيئاته ..
وإذ أوضحتُ ما لزم، وكشفتُ ما استتر فعُلِم، فلكل قارئ بصر، وعلى الحق نور وعلى وجه الباطل قتر!
فصل
تنبيهاتٌ متمماتٌ
اعلم وفقني الله وإياك وهدانا صراطه المستقيم، أن ما مضى تقريره منصرف إلى مسألة التحاكم، وتحقيق مسمى هذا الاسم"التحاكم"لازمٌ قبل تحقيق حكمه، والميْزُ والفرقان والحدُّ بينه وبين غيره أول ما يجب التحقق منه قبل توجيه ما تبين من حكمه إليه، واشتباه هذا الواجب الأولي أو خفاؤه أو التقصير في تحقيقه مؤداه الفساد في إطلاق الأحكام، وتعليقها بغير مناطاتها، إما إفراطًا وإما تفريطًا، إما غلوًا وإما جفاءً، وهو شطر الفساد الذي يقع في هذه القضية وفي كل قضية، ولا يتأتى لأحدٍ معرفة الحقائق الشرعية، وإصابة الأحكام الإلهية، إلا بضبط الحدود التي حدها الشارع، والجمع بين ما جمعه، وتفريق ما فرَّقه، قال ابن القيم رحمه الله: (معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله أصل العلم وقاعدته وآخيته التي يرجع إليها، فلا يخرج شيئًا من معاني ألفاظه عنها، ولا يدخل فيها ما ليس منها، بل يعطيها حقها، ويفهم المراد منها [1] .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وهذه الحدود معرفتها من الدين في كل لفظ هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ثم قد تكون معرفتها فرض عين وقد تكون فرض كفاية ولهذا ذم الله تعالى من لم يعرف هذه الحدود بقوله تعالى: {الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} [التوبة:97] ، والذي أنزله على رسوله فيه ما قد يكون الاسم غريبًا بالنسبة إلى المستمع كلفظ ضيزى، وقسورة، وعسعس، وأمثال
(1) إعلام الموقعين (1/ 169) .