الصفحة 41 من 47

القاطع الذي لا احتمال فيه [1] .

ويقول: (كل أصل تكرر تقريره، وتأكد أمره، وفهم ذلك من مجاري الكلام، فهو مأخوذ على حسب عمومه وأكثر الأصول تكرارًا الأصول المكية [2] .

فهل بقي لدعوى التخصيص مع عمومات مكيةٍ ومدنيةٍ مؤكدةٍ منتشرةٍ مكررةٍ مكان؟!

فتعرَّ من ثوبين من يلبسهما يلقى الردى بمذمة وهوانِ

ثوب من الجهل المركب فوقه ثوب التعصب بئست الثوبانِ

وتحلَّ بالإنصاف أفخر حلة زينت بها الأعطاف والكتفانِ [3]

الوجه السابع والعشرون: أن من قال بكفرية الاحتكام إلى الطاغوت في كل حال قد سلك السبيل اللاحبة، واقتفى أثر الهداة، إذ عظَّم شأن الكليات وجعلها قاضية على الجزئي المحتمل، ولم يجعل من العكس مسلكًا، ولا من قلب الأمر مذهبًا، فكان له الخيرة في حمل الجزئي على موافقة الكلي بأوجهٍ من المحامل، ولم يكن لمخالِفهِ غير العسف في الكلي ليستقيم له مع فهمه في الجزئي! وأنَّى!

قال الشاطبي رحمه الله: (المتمسك بالكليات إذا عارضتها الجزئيات وقضايا الأعيان، فإنه إذا تمسك بالكلي كان له الخيرة في الجزئي في حمله على وجوه كثيرة، فإن تمسك بالجزئي لم يمكنه مع التمسك الخيرة في الكلي، فثبت في حقه المعارضة، ورمت به أيدي الإشكالات في مهاوٍ بعيدة، وهذا هو أصل الزيغ والضلال في الدين، لأنه اتباع للمتشابهات، وتشكك في القواطع المحكمات، ولا توفيق إلا بالله [4] .

وأكتفي بهذه الوجوه، ففيها الكفاية وزيادة إن شاء الله، ومن تأملها وأنعم فيها النظر طَرَقَت له على غيرها بابًا، وكشفت له عن نظائرَ لها حجابًا، والله الموفق والهادي.

فعد بعد هذا أيها الناظر إن حققت ما في تلك الوجوه، إلى عبارة ذلك المجيز وما فيها مع الجهالة من حطٍ وإسرافٍ! وبغيٍ وإسفاف! وتعاظمٍ واستخفاف! وهل تراه بما اجترأ عليه من القول إلا مفصحًا عن تهوره وعسفه؟! وهل كان

(1) الموافقات (4/ 70) .

(2) السابق.

(3) من نونية ابن القيم.

(4) الموافقات (4/ 12) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت