فهرس الكتاب
الْفَاصِلِينَ (57) [الأنعام] ، وقوله سبحانه: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62) } [الأنعام] ، وقوله سبحانه فيما حكاه من دعوة يوسف عليه لصاحبيه في السجن: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40) } [يوسف] ، وقوله عز من قائل فيما حكاه عن يعقوب عليه السلام: {وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) } [يوسف] ، وقوله تبارك وتعالى: {وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70) } [القصص] ، وقوله تقدس في علاه: {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88) } [القصص] .
فهذه كلية الشريعة وأُسُّها الذي لا يتطرق إلى مثله تخصيص، ولا تقييد، ولا نسخ، ولو كان يتطرق إلى مثله شيء من ذلك ما بقي في الشريعة قاطع يعتمد عليه، ولا عموم مبقى على عمومه، وهل ذلك إلا خرم الشرعة المكملة، وإحلال خسيس الأهواء، ومختلِفِ المشارب والآراء!
يحقق هذا ويرسخه:
الوجه الخامس والعشرون: أن هذه القضية لم تتفرد بتقريرها العمومات المكية، بل شاطرتها وقاسمتها العمومات المدنية، كقوله سبحانه: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) } [البقرة] ، وكقوله جل وعلا: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) } [النساء] إلى غير ذلك.
فلئن كان العموم المكي بالمنزلة التي علمت، فإن قضية تضافر عليها العمومان المكي والمدني لبالغة أعلى مراتب القوة، وأسمى مراقي اليقين، وأسنا منازل البراهين!
ويزيد هذا قوة إلى قوته:
الوجه السادس والعشرون: أن معول المسألة من النصوص ليس هو مما قُرِّر في موضع أو موضعين، بل هو مما تكرر وانتشر في المنزَّل المكي والمنزَّل المدني على السواء، وما حصل فيه التكرار والانتشار أقوى مما لم يكن فيه ذلك، وفيه يقول الشاطبي رحمه الله: (ما حصل فيه التكرار، والتأكيد، والانتشار، صار ظاهره باحتفاف القرائن به إلى منزلة النص