الصفحة 39 من 47

وعليه يتجلى هذا الوجه، ويزداد بيانه اتضاحًا بـ:

الوجه الثالث والعشرون: أن العمومات الواردة في الأمر باجتناب الطاغوت، والأمر بالكفر به، من قبيل العموم الذي ابتدأه الشارع لا من قبيل العموم الوارد على سبب خاص، والذي يقال فيه: (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) ، وإن نازع منازع في بعض الأدلة فليس هو ينازع في البقية، إذ أساس بعثة لله للأنبياء وإرساله للرسل هو الأمر بعبادته واجتناب الطاغوت، كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] ، وهذا في غاية الظهور والوضوح بحمد الله.

وإذ كان هو كذلك فإن العموم المُبتدأ أقوى من العموم الوارد على سبب، ولذلك نوزع في اعتبار الثاني بخلاف الأول، وإن كان النزاع ضعيفًا، والجمهور على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولا شك أن ما اختُلِف في اعتباره أضعف مما لم يختلف في اعتباره، فالعموم الابتدائي أقوى من العموم الوارد على سبب، وإذا كان حال هذا الثاني مع نزول رُتبته عن الأول بالمنزلة التي قد علِمتَ في الوجه السابق، ولم يكن للمفهوم الوارد منطوقه على سببٍ قوة في مقابلته وتخصيصه، بل كان مُطَّرَحًا مُهدرًا بإزائه، فكيف والحال فيما نحن فيه من قبيل العموم الابتدائي لا الثانوي؟!!

ويزيد هذا التقرير قوة:

الوجه الرابع والعشرون: أن العمومات المكية أقوى من العمومات المدنية، وذلك من جهة أقلية التخصيص في العموم المكي، وضعف احتماليته فيه مقارنة بالمدني، وفي هذا يقول الشاطبي رحمه الله: (وإذا تأمل الناظر العمومات المكية وجد عامتها عريَّة عن التخصيص والنسخ، وغير ذلك من الأمور المعارضة، فينبغي للَّبيب أن يتخذها عمدة في الكليات الشرعية، ولا ينصرف عنها [1] .

فكيف والحديث عن أصل دعوة الأنبياء والمرسلين التي ما ابتعثهم الله إلا ليخلِّصوها من شوائب الإشراك، ويجاهدوا كل منازع للحقِّ فيها أفاك! أفلا ترى قوله سبحانه وهي مكية: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] ، وقوله عز وجل، وهي كذلك: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) } [الزمر] .

بل تأمل وانظر إلى تأكيده سبحانه وتعالى على تفرده بالحكم، في غير ما آية وسورة كلهن مكيات، إذ يقول جل وعز: قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ

(1) الموافقات (2/ 385) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت