فهرس الكتاب
وسبب إهدارهم للسبب مع العموم، وإعمالهم له مع المفهوم، مقابل إعمال العموم، وإهدار المفهوم، هو ضعف دلالة المفهوم وقوة دلالة العموم، فاندفعت الأولى بأدنى قرينة بخلاف الثانية.
قال المرداوي رحمه الله: (هنا سؤال: وهو أنه لمَ جعلوا هنا السؤال والحادثة قرينة صارفة عن القول بضد الحكم في المسكوت، ولم يجعلوا ذلك في ورود العام على سؤال أو حادثة صارفًا له عن عمومه على الأرجح، بل لم يُجروا هنا ما أجروه هناك من الخلاف في أن العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟!
وإن كان حُكي عن القاضي أبي يعلى فيه احتمالين، وقد يجاب بأن المفهوم لما ضعف عن المنطوق في الدلالة اندفع بذلك ونحوه، وقوة اللفظ في العام بخلاف ذلك حتى إن الحنفية ادعوا أن دلالة العام على كل فرد من أفراده قطعية، كما تقدم، فلم يندفع بذلك على الطريقة الراجحة [1] .
وقال الزركشي رحمه الله: (ولعل الفرق أن دلالة المفهوم ضعيفة تسقط بأدنى قرينة، بخلاف اللفظ العام [2] .
إذا اتضح هذا .. فعلى افتراض أن كل ما ورد في تحريم الاحتكام إلى الطاغوت والأمر باجتنابه من العمومات واردًا على سبب، وهذا على سبيل الفرض والتنزل، فإن السبيل فيه إعمال عموم الألفاظ وعدم تخصيصها بالأسباب، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فالسبيل في المفهوم الذي ورد منطوقه على سبب اقتضاه أن يُعمل ذلك السبب في إهمال المفهوم وإهداره، فتُبقَّى العمومات الأُوَل على حالها، إذ لا ينتهض سبب المنطوق على تخصيصها، كما لم تنتهض أسباب ورود العمومات على تخصيصها، وإذا لم يقوَ سبب المنطوق على تخصيص العمومات فهو عائد على المفهوم بالإبطال.
والمجيز قد عكس في كلا الجهتين السبيل، وخالف ما يجب إعماله و إهماله في الدليل، فنظر إلى سبب ورود المنطوق الخاص فعدّاهُ عن عمله في إهدار المفهوم إلى إهدار عمومات النصوص الأخرى، فدحض إلى حفرتين:
الأولى: إعمال المفهوم الوارد منطوقه على سبب، مع كون السبب مانعًا من إعماله، مقتضيًا لإهماله!!
الثانية: تخصيص العمومات بإعمال السبب المقتضي لإهدار المفهوم لا إهدار العموم!!
فتحصل من هذا قلب كلام أهل العلم بتنزيل ما قالوه في العموم مكان الذي قالوه في المفهوم، والعكس، وهذه الجناية إنما تكون بهذا القدر مع التنزل الشديد والافتراض الذي فرضته في كون العمومات الواردة في الأمر باجتناب الطاغوت والأمر بالكفر به واردة على أسباب!
(1) التحبير شرح التحرير (6/ 2898 - 2899) .
(2) البحر المحيط (5/ 145) .