فهرس الكتاب
فأهل الزيغ والضلال هم الذين يتبعون المشتبهات ويُعرِضون عن المحكمات البينات، تلك هي أبرز سماتهم على مرِّ العصور وكرِّ الدهور، ومن نظر فيما يتشبث به المبطلون الضالون عن صراط الله المستقيم من مشركين ونصارى وطوائف ضالة تنتسب إلى الإسلام، وجد ما تمسكوا به قليلًا مشتبهًا! وما أعرضوا عنه كثيرًا محكمًا!! وكل ما ظنوه حجة لهم في ذلك المتشابه الذي ناطحوا به جبال المحكمات فهو دالٌ على خلاف ما توهموه مرادًا منه، ولكن كما قال رب البرية جل وعزّ: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) } [الرعد] .
ورحم الله الإمام أحمد إذ وصف أهل البدع بقوله: (يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبِّهون عليهم) .
وقد تبيّن أن مجيز الاحتكام إلى الطواغيت عند غياب حكم الله قد أقفرت ساحُهُ إلا من متشابه قليل رام به القضاء به على المحكم الكثير، وأن ما تمسك به يحمل في ذاته الدلالة على ضد ما توهمه دليلًا عليه، والله المستعان.
ويزيد هذا الوجه تقريرًا:
الوجه الواحد والعشرون: أن الكفر بالطاغوت أحد ركني الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد من خلقه سواه، والذي بُعِث الأنبياء قاطبة من أجل دعوة الناس إليه، وإقامة الحجة عليهم فيه، وإذا كان الكفر بالطاغوت أساسًا للدين، وركنًا له متين، حتى كانت دلالة الشارع عليه في الظهور بالغة أعلى المراتب، فلو وقع من الشارع لذلك الأصل الأصيل تخصيص لكان العلم بالمخصَّص والمخصِّص في الظهور كالعلم بما لم يُخصَّ أو قريبًا منه، وإذ عُلِم أن لا دلالة على المخصوص لا باستواء ولا مقاربة، فذلك آية بطلان دعوى التخصيص، وهل يصح عند عاقل أن يكون ذلك هو الحال في العلم بأصل الدين بين عامة الناس، ثم لا يكون في الدلالة على جزءٍ من ذلك المعلوم وتخصيصِهِ بحكمٍ يباين الأصل إلا ما يتنازع فيه الخواص!!
الوجه الثاني والعشرون: أن المجيز قد خالف ما يجب عليه في القضية من جهتين!! وعكس الوجهة الأصولية مرتين!!
فإن أهل العلم قد فرَّقوا بين دخول السبب على العموم ودخوله على المفهوم، فلم يلتفتوا إلى خصوص السبب مع عموم اللفظ، وجعلوا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فاعتبروا عموم اللفظ مقابل إهدار خصوص السبب.
أما في دخول السبب على المفهوم فإنهم شرطوا لإعمال مفهوم المخالفة أن لا يكون المنطوق واردًا لسبب اقتضاه، فإن ورد المنطوق لسبب اقتضاه فمفهومه ممنوع الاعتبار، فاعتبروا السبب مقابل إهدار المفهوم.